أم الزين بن شيخة: لابد للعرب من ثقافة جديدة

منذ الأزل تحكم السياسيون ورجال الدين والعسكريون في واقع الحضارات الإنسانية على تفاوتها وتباينها، لكن بقي الدور العميق منوطا بأيدي المبدعين والفلاسفة، الذين رغم بقائهم على الهامش صنعت أعمالهم حضارات ورسختها على مر التاريخ، لذا يبدو حريا بنا اليوم أن نعطي القيادة لهؤلاء في ظل الواقع الإنساني المأزوم. “العرب” التقت الكاتبة والمفكرة التونسية أم الزين بن شيخة المسكيني حول واقع الفكر والمثقف العربيين.
الجمعة 2016/07/08
الواقع ليس ما نخضع له بل هو ما نخترعه

تنوعت تجربة الكاتبة والمفكرة التونسية أم الزين بن شيخة المسكيني وتوزعت على مختلف أنماط الكتابة من فلسفة وروايات ومقالات وشعر، ولها على مدى تجربتها الثرية العديد من الكتب أهمها كتاب «كانط راهنا أو الإنسان في حدود مجرّد العقل». وكتاب «الفنّ يخرج عن طوره أو جماليات الرائع من كانط إلى دريدا» و«الثورات العربية …سيرة غير ذاتية» (بالاشتراك مع فتحي المسكيني) ورواية «جرحى السماء» وروايتها المميزة «لن أجن وحيدا هذا اليوم» التي تشكل نوعا من المحاكاة الساخرة لواقع الثورات العربية. كما كتبت ضيفتنا الشعر أيضا حيث أصدرت ديوانا بعنوان “اضحك أيّها الدهر الشرقي”.

علامة عافية

في ظل هذه التجربة الإبداعية المتنوعة، ترى أم الزين بن شيخة المسكيني أنها أستاذة جامعية من وجهة نظر أكاديمية، لكنها تمقت وترفض بشدة التصنيفات، إذ ترى أنها قد زالت وانتهت. تحبذ ضيفتنا أن تكون كاتبة وباحثة، تهتم بالشأن العام وبما يشغل الناس، وكل ما يخص الأفق العام لاهتماماتهم، كل ما يحرجهم ويجعلهم يقفون على مشارف التساؤل والحيرة، إذ تعتبر نفسها ملمة ومهتمة بأدق التفاصيل التي تحدث في الوطن الصغير والوطن الكبير، مؤكدة على انشغالها واهتمامها الدائم بجل المسائل الحيوية، المعرفية والفكرية والفنية والجمالية والإبداعية والثقافية.

فهي تؤمن جازمة بأن الثقافة تعنيها بشكل مباشر. فالمثقف، في رأي الكاتبة، هو المسؤول عن شعبه ووطنه ومن واجبه أن يواكب ويصاحب ما يحدث، ولا ينتظر من أحد ما أن يطلب منه التدخل وإبداء الرأي؛ فالمثقف الحقيقي ليس مجرد مشاهد ومتابع لما يحدث في الشأن الثقافي، ليس ذاك المثقف التقليدي، الذي ينظر إلى ما يجري من فوق، لذا على المثقف ألّا يكون متعاليا عن واقعه المرير والمتقلب، بل عليه أن يسعى دائما ليكون فاعلا وصانعا ومنتجا ومبدعا لثقافته بكل وعي.

لا توجد مؤامرة فما يحدث هو مسار سياسي وثقافي طويل، لكن المؤسسة السياسية والثقافية ليست جاهزة لاحتضانه

تقول أم الزين بن شيخة المسكيني “ليس سهلا أن يكون الواحد منا مبدعا، فالمبدع والمثقف العربي اليوم مطالبان بالابتعاد عن التعالي والتكاسل”. تستمر في نقدها بكل حرقة للمثقف العربي الذي تعتبر أنه تنقصه روح المبادرة والإرادة والجرأة ، تتابع “المثقف العربي الذي نتحدث عنه غير قادر على افتكاك فضاءات في الحياة اليومية، وغير قادر على خلق مكانة تسمح له بأن يكون مخترعا ومبتكرا لأفق جديد يواكب روح العصر. ثم إن المثقف العربي مطالب اليوم في زمننا الحالي بإعادة توزيع الكلمة وإعادة ترتيب مواطن الكلام وإعادة ترتيب الصخب والضجيج والصمت، وإعادة ترتيب خارطة المعنى”.

فالمثقف اليوم، في رأي أم الزين بن شيخة، مطالب بألا يترك أفق الحلم لمن لا يستطيع أن يقدم إلا خيبات الأمل، أولئك صناع البؤس، خالقو الدمار والخراب كبعض الفئات من السياسيين واللوبيات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

وتقر الكاتبة من جهة أخرى بضرورة محاربة أي ثقافة لا تنتج إلا التعصب والجمود الفكري والانغلاق، إذ علينا خوض كل المعارك كي ننهض بثقافتنا لتكون في حجم الإنسانية الراهنة، علينا أن نتوجه نحو مستقبل ممكن بكل حرية وعلينا أن نبدع لندخل باحة المعارك الكونية لأن “كل شعب بلا مبدعين هو شعب مريض ولا يرقى إلى مقام التاريخ ومقارعة الأمم الأخرى.. وإن شعبا لا يتقن احتضان مبدعيه ومحبتهم هو شعب غير قادر على انتماء إيجابي وصحي للإنسانية الكونية..”، فالإبداع ليس ملكا لأي جهاز أو سلطة بل هو ملك الشعوب وهو علامة عافية شعب ما وقدرته على الحلم بالمستقبل الكفيل باحتضان أحلام أبنائه.

الواقع ما نخترعه

تجربة إبداعية متنوعة

تتبنّى أم الزين بن شيخة ما ذهب إليه الفيلسوف كانط “إن الحرية هي الجوهرة الوحيدة المتبقية لنا في زحمة الضغوط اليومية”، فمن واجب المثقفين والمبدعين، في رأيها، افتكاك تلك الحرية واختراعها في كل أفعالهم وأقوالهم، شريطة أن تكون نابعة عن إرادة مستقلة، تقول “نحن المثقفين بشر أحرار لسنا ملكا لأي إنسان آخر ولسنا عبيدا لأحد، لنبدأ بتحرير ذواتنا، لنكن أحرارا فالحرية لا تعطى على طبق من ورد بل ثمة نضالات من أجل بلوغ الحرية.. وكما يقول دولوز: الحرية لا توجد… يجب اختراعها”.

تتابع “من هذا المنطلق يجب علينا أن نقاوم من أجل أن نعيش أحرارا، والمسار الثوري إيمان متواصل، ويبقى الأمل دوما هو الممكن الذي بحوزتنا، فوحدهم الرجعيون يفقدون الأمل، ومن يفقد الأمل في المستحيل يتمسّك بما لديه من أوهام متعبة. لذلك علينا أن نقاوم”.

وتؤكد ضيفتنا على أنها ضد فكرة المؤامرة وأنها مؤمنة بالمسار الثوري، معتبرة أن ما يحدث هو مسار سياسي وثقافي طويل الأمد، لكن المؤسسة السياسيّة والثقافية ليست جاهزة لاحتضانه. تقول “نحن نحتاج إلى ثقافة جديدة مغايرة لثقافة تحوّلت إلى بضاعة تباع وتشترى، لكي لا نباع و نشترى على حدود الدول الأخرى، في زمن يباع فيه حتى أطفال الشعوب. لهذا أنا أكتب الشعر، أو بالأحرى، أنا أكتب النثر، أنثر أفقيا لكي أخترع الواقع بشكل مغاير للواقع. فالواقع ليس ما نخضع له بل هو ما نخترعه”.

وتضيف الكاتبة “إنّ من يتوجع لا يبحث عن قوالب ينظم داخلها أوجاعه. بل علينا اختراع إمكانيات أخرى لحياتنا. ‘فمن أجل أن تكون عظيما لا بد أن تكون لك سيقان طويلة‘ كما يقول نيتشه. من جهة أخرى علينا أن نكون حراس العقل، لأن هناك مقاومة لدور العقل من طرف السياسة والنظام العالمي. فمثلا هنالك خوف في الدول العربية من تشريك الفيلسوف في تدبير المستقبل، لذلك هم يعملون على تسطيح العقول في البرامج التربوية، وتحويل الثقافة إلى منابر للتهريج”.

وتتساءل ضيفتنا كيف للفلسفة أن تكون مساحة ديمقراطية وأن يكون للجميع الحقّ في التفكير بكل حريّة؟ هو ما يؤرقنا في حضارة لم يأخذ فيها الفيلسوف بعدُ المصدح. فكلّ مصادح هذه الحضارة أبواق للدعاة وللاهوتيين وللسياسيين ولأصحاب اللوبيات الثقافية بعامّة. فمتى تكفّ المصادح عن تكبير أصوات المهرّجين؟

تدعي أم الزين بن شيخة المسكيني أنها مثقفة وليست فيلسوفة لأن التواضع السقراطي يشكل نوعا من السحر بالنسبة إلى كل المنتمين بصدق إلى الفلسفة، و”حب الحكمة يجعلك في شوق للمحبوب” وكل عملية امتلاك هي بمثابة الصنم الذي يسقط على صاحبه فيقتله والفلسفة لا تعترف بالأصنام.

وفي علاقة بالجمال ترى أم الزين أن مقولة الجمال وقع تجاوزها وما يحدث اليوم للإنسانية فظيع فـ”الفن يخرج عن طوره وغير من وجهه، وحتى أفق المعنى تغير وأصبح الجمال هو القدرة على صناعة الحدث من جديد بشكل حالم، أن يقول إن هنالك بريقا من الأمل، وإن المستقبل لم يغلق أبوابه”.
15