أم القطط

الأربعاء 2014/08/13

سمعت المثل لأول مرة من جدتي.. حين كنت صغيرة.. كانت تتحدث مع جارة لها وكانت الأخيرة تحدثها عن ابنتها التي صارت تنتقل من مدينة لأخرى بسبب عمل زوجها الذي كان يتطلب الانتقال من مكان لآخر والسكن لبعض الوقت ثم تغيير المكان.. فعلّقتْ عليها جدتي بمَثَلٍ ساخر وهي تحاول التخفيف عنها: “يا إلهي.. لقد صارت حياة ابنتك مثل حياة أم القطط!”.. فمصمصَتِ الجارة شفتيها بحسرة وهي تحاول الابتسام.. ولكنني لم أفهم!

وحين سألت جدتي بعد حين عن مَثَل “اُم القطط”.. شرحت لي كيف أن القطة حين تلد تخاف على صغارها.. فلا تأمن عليهم إلا إذا راحت تنقلهم من مكان لمكان.. لأنها ما أن تسمع صوتا حتى تستشعر الخطر على نفسها و”قطيطاتها”.. فتحملهم بفمها واحدا واحدا والقطط الصغار من قطع لحم طري إلى مكان تجده أكثر أمنا.. وتبقى على هذه الحال مرة أخرى وأخرى.. حتى تكبر القطط الصغار ويشتدّ عودها.. وتتعلم مواجهة حياة القطط الصعبة الخطرة!

فهمت فكرة المثل.. لكنني لم استوعب فداحته في تلك السن الصغيرة.. ولا حتى بعد سنوات من ذلك الزمن المستقر.. وها أنني اليوم اُحسه يوخز روحي ويحزّ في قلبي مثل وجع لا برء منه.

تسكنني صورة القطة الخائفة المتوجسة.. وأنا أجد نفسي وأسرتي وملايين العراقيين (والفلسطينيين واللبنانيين من قبلنا.. ودول الربيع العربي من بعدنا).. ونحن نهيم بأرواحنا وأطفالنا ومتاعنا القليل من بيت لبيت ومن وطن لآخر.. بحثا عن أوطان بديلة بعد أن استشعرنا خطر البقاء في أوطاننا..

أتأمل حالي وحال أسرتي وأهلي وأحبتي.. ونحن نمضي من منطقة لأخرى في المدينة.. ومن مدينة لأخرى أكثر أمناً.. ومن بلدنا المحترق بنار الطوائف أو قسوة الاحتلال أو ظلم الدكتاتور.. إلى بلد عربي أكثر أمنا.. ومن البلد العربي الذي احترق بنار الفتنة والثورات.. إلى بلد غربي يحترم حقوق الحيوان قبل حقوق البشر.

هجرة أولى وثانية وثالثة.. من بيت لبيت.. ومن ملاذ لآخر.. ومن حكومة لأخرى.. ومن قوانين لأخرى ومن مناخ لآخر ومن مفاهيم لأخرى.

من لحظة الضياع الأولى.. بعد استشعار الخطر الأول في الوطن الأول والتربة الأولى.. إلى الملاذ الأخير في الوطن الآمن.. أو إلى التربة الأخيرة.. وتتلاحق مابينهما البيوت –أو الخيام – والأماكن والأوطان.. ليرسخ فينا معنى الهوان وعدم الرضى وعدم الاستقرار.. فنحن ضائعون من أول التراب إلى آخره.. وإلى آخره..!

صرنا مثل أم القطط.. والفرق الوحيد بيننا وبينها أنها لا تفكر مثلنا فلا تفتقد أصدقاء طفولتها مثلا.. ولا تتحسر على كتبها وصورها العائلية.. لا تنهال دموعها اذ تتناهى لسمعها أغنية شعبية بلهجتها الأولى.. لا تقلقها أخبار الوطن الأول.. ولا يؤرّقها الحنين إليه..!

ولكن.. ألم يعلمونا في المدرسة أن الوطن اُمنا وأبونا؟ فلماذا لا تتوجس أوطاننا خيفة على أبنائها؟ هل القطط أرحم على صغارها من قلوب أوطاننا؟ لماذا لا يحملنا الوطن-الأم من مكان لمكان؟ لماذا لا يخاف علينا فيخبئنا حتى نكبر ويشتدّ عودنا.. ونتعلم مواجهة حياة البشر الصعبة الخطرة؟

لماذا صرنا نحن مثل أم القطط.. نحمل أوطاننا أنى ارتحلنا.. بينما تتخلى عنا أوطاننا؟

21