"أم درمان" مدينة تقاطع النيلين، إطلالة العرب على أفريقيا

الاثنين 2014/03/17
قبة المهدي في أم درمان شاهدة على أصالة المدينة ووفائها لمؤسسها الأول محمد المهدي

أم درمان - يعود تاريخ مدينة “أم درمان” إلى تاريخ قديم، قد يرجع حسب مؤرخين إلى ما يعرف “بعصر العنج” في القرن السادس عشر الميلادي بالسودان. وتتعد الروايات في تفسير معنى الاسم وأصله، ولعلّ أكثرها رواجا تلك التي تتحدث عن امرأة تنتمي لأسرة مالكة كانت تسكن المكان الذي قامت عليه المدينة بالقرب من ملتقى النيلين الأبيض بالنيل الأزرق، وكان لها ولدا اسمه “درمان” فسميت “أم درمان”.

عندما سقطت الخرطوم عاصمة العهد التركي في السودان على يد الإمام محمد أحمد المهدي في يناير 1885م، وقتل حاكم السودان آنذاك “غوردون باشا”، كان معسكر المهدي الذي حارب به العثمانيين وانتصر عليهم موجودا في منطقة “أبي سعد” بأم درمان، ورفض المهدي أن يتخذ من الخرطوم عاصمة له فوقع اختياره على “أم درمان” لتكون عاصمة دولته الجديدة.

وقد قيل في اختياره لموقع أم درمان بأنه كان قد خرج مع جماعة من أصحابه وهو على جمل أطلق له العنان فسار به الجمل إلى شمال أبي سعد حتى برك في الموقع الذي توجد فيه الآن قبة المهدي (أو ضريح المهدي)، فبنى عليها حجرة من الطين. ولما توفي دفنه أصحابه في حجرته تلك تمشيا بما فعله صحابة النبي محمد في المسجد النبوي بالمدينة المنورة.

ووفقا للمؤرخ السوداني إبراهيم أبو سليم فإن أم درمان شهدت مزيدا من التوسع في عهد الخليفة “عبدالله التعايشي”، حيث شيّدت المنازل بالطين والآجر والحجر لتحل مكان تلك التي كانت مشيّدة بالقش (الحشائش الجافة وجريد النخيل) والجلود، وبدأت أم درمان تتحول إلى مدينة كبيرة شيئا فشيئا، بعد أن كانت معسكرا للمهاجرين من أتباع المهدي الذين توافدوا بدورهم إليها في سنة 1885م، وهي السنة نفسها التي توفي فيها المهدي.

1899 قاد تشرشل إحدى الفرق العسكرية ضمن معركة عنيفة انتصر فيها على مقاومة جيش التعايشي وسماها «معركة إعادة الغزو»

وبنى الخليفة عبدالله التعايشي، خليفة المهدي بيت المال وهو مقر الخزانة العامة للدولة، والسجن العام المسمى بـ”الساير”.

وبعد عامين قام بتشييد الطابق الأرضي من منزله بمواد بناء أحضرها من الخرطوم. وفي العام الذي تلاه أسس بيت الأمانة، وهو عبارة عن مخزن كبير للسلاح ومعدات الحرب، كما قام بتشييد “قبة المهدي” لتكون ضريحا يضم رفات المؤسس. وبدأ بعد ذلك في بناء سور المدينة الذي أحاط بمركز المدينة، حيث قبة المهدي ومنازل الخلفاء وحراس الخليفة والمرافق العامة للدولة. وفي سنة 1889م تمت احاطة المسجد الجامع بسور كبير. وبلغ طول المدينة بين طابية (حصن) أم درمان وحتى حي “شمبات” شمالا وجنوبا حوالي ستة أميال، فيما بلغ عرضها شرقا وغربا حوالي ميلين.

ويعود تمّدد المدينة من حيث الطول لمسافات بعيدة، إلى تحبيذ السكان إقامة منازلهم ومتاجرهم على ضفاف نهر النيل. وقُدّر عدد السكان قبل وصول المهاجرين من أتباع المهدي من غرب السودان ما بين خمسة عشر وعشرون ألف نسمة، فيما وصل العدد إلى أربعمائة ألف نسمة بحلول عام 1895م.

ومن المعالم التي تتميز بها مدينة أم درمان السودانية “متحف بيت الخليفة”، وهو المنزل الذي كان يقيم فيه الخليفة عبدالله التعايشي والمواقع الأثرية الأخرى التي تعود إلى عهد الدولة المهدية منذ عام 1881م ومنها بوابة عبد القيوم، وهي بقايا سور المدينة الذي كان يحيط بها في الفترة ما بين 1885م و1898م.

كما توجد في أم درمان آثار “الطابية” وهي عبارة عن موقع حصين مبني من الصخور الصلبة وكان يحتمى به قناصة جيش المهدي ومدفعيته لصد أي هجوم يأتي من جهة النيل.

ومن المعالم الأثرية الهامة الأخرى نجد “مسجد النيلين” الذي يعتبر واحدا من المعالم المعمارية المميزة في السودان، فقد تم بناء المسجد على شكل صدفة عملاقة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، وشُيّد تنفيذا لفكرة تصميم مشروع تخرج لطالب من كلية الهندسة والمعمار بجامعة الخرطوم في منتصف سبعينيات القرن الماضي. وهو أول مبنى في السودان يتم تشييده من قواطع الألمنيوم ودون أعمدة تسند السقف، إذ يتصل السقف بالأرض مباشرة تماما كالصدف.

1898 اندلاع معركة «كرري» نسبة إلى جبل كرري والتي انتصر فيها الإنكليز على جيش عبدالله التعايشي

ومن الروايات الأخرى التي تميز اسم المدينة “أم درمان” أنه اقترن أيضا بمعركة أم درمان الشهيرة التي وقعت على مشارف المدينة، ودارت رحاها بين قوات المهدية بقيادة الخليفة عبدالله التعايشي وقوات الغزو البريطانية تحت قيادة اللورد “هربرت كتشنر” وضمت في صفوفها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل الذي كان وقتئذ ضابطاً في الجيش، وألف فيما بعد هذه المعركة كتابه المشهور “حرب النهر” وفيها تحدث عن انطباعاته في تلك الفترة.

أما من الناحية التجارية، فتعج “أم درمان” بالأسواق الكبيرة الزاخرة بمختلف أنواع البضائع، وهي تشكل أيضاً سوقا للسلع المصدرة إلى ولايات غرب السودان. وتعد مركزا لتجارة المواشي خاصة الإبل والضأن، وتجارة المصوغات الذهبية والحرف اليدوية والتوابل والبقوليات. وهي حرف تعود إلى تاريخ قديم طبع الصبغة التجارية للمدينة، نظرا لموقعها الجغرافي البارز وتقاطعها مع فرعين للنيل وخصوبتها وتوافد الزائرين عليها من كل مكان. وتقع المنطقه الصناعية للمدينة والتي تضم عددا من المصانع الخفيفة وورش للصناعات الغذائية والتحويلية وصيانة الآليات والمركبات البحرية والخاصة بنهر النيل الذي تطل عليه.

ومن أبرز أسواق أم درمان نجد سوق أم درمان الكبير، وأسواق “امدفسو”، و”أم سويقة”، وسوق الطواقي (للطواقي والكوفيات التقليدية والعمائم)، وسوق “العناقريب” (لصناعة الأسرة التقليدية) وسوق ليبيا (للسلع الواردة من ليبيا)، وسوق الفراد وسوق الصياغة (للذهب والمجوهرات التقليدية)، وسوق الدباغة (للجلود) وسوق الخضر والفاكهة والتوابل والبقوليات، وسوق الحرفيين حيث صناعة الأحذية والأحزمة والحقائب الجلدية المصنوعة من جلود التماسيح والثعابين الكبيرة وهي صناعة دأب عليها سكان المدينة منذ قرون. وإلى جانب هذه الأسواق التقليدية توجد أسواق للسلع العصرية ومن بينها السوق الشعبي لمختلف السلع، وعدد آخر من الأسواق المغلقة (البازارات). وتشكل هذه الأسواق المتجاورة في موقعها إلى جانب دورها الاقتصادي في المدينة، معلما سياحيا مهما فيها.

12