أم قصي والضابط بلترام.. أمة من الإنسانية لن تهزم

التطوع محل رهينة في عملية إرهابية أشبه بالتطوع محل شخص بريء محكوم بالإعدام. ترى كم ساهمت تضحية الضابط الفرنسي أرنو بلترام في تحفيز المجتمع الدولي على محاربة ظاهرة الإرهاب.
السبت 2018/03/31
ما الذي يبكينا ويفطِر قلوبَنا حزنا كلما ذكر العراق؟

العراقية علية خلف صالح حصدت جائزة أشجع النساء لعام 2018 من وزارة الخارجية الأميركية بحضور السيدة ميلانيا ترامب. الجائزة تمنح عرفانا لشجاعة عشر من نساء العالم لدورهن القيادي في خدمة السلام والعدالة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.

ماذا فعلت ابنة الرافدين؟

في يونيو 2014 وبعد أيام من احتلال تنظيم داعش للموصل، أي بعد انتشار أخبار المجازر والانتهاكات وتمدد الوحشية إلى محافظة صلاح الدين، وبعد ذلك الرتل الطويل من الأسرى المتدربين في معسكر سبايكر.

الرتل أو الطابور انتقل إلى مجزرة يندى لها جبين نهر دجلة الذي جرّب لوعة انفعاله على مدى قرون عندما استعادت ذاكرته وحشية وهمجية المغول التي نزلت على أهل بغداد والمدن العريقة وعلى مخطوطاتهم حرقا وتقتيلا وإغراقا ومعها تباطأت وتخلفت مناهج البحث في العلوم والرياضيات والآداب والفنون.

عدد من الناجين من مجزرة سبايكر تلقفتهم سيدة من ناحية العَلم في محافظة صلاح الدين تدعى أمّ قصي، أصبحت لهم أمّا وكانوا لها أولادا في أجواء تنذر بالهلاك وعدم النجاة؛ لم تلجأ للبكاء والعويل والنواح ولم تطلب منهم الرحيل إلى المجهول لحماية أسرتها وبناتها، ولم تسألهم عن قوميتهم أو دينهم أو طائفتهم رغم أن العراق تتحكم فيه أحزاب طائفية وزعماء طائفيون ومحاصصة طائفية ورئيس حكومة في حينها كان نوري المالكي ينزّ تحشيدا للطائفية.

أصغت أمّ قصي لنداء فطرة إنسانية عابرة للبحار والقارات والمحيطات، عابرة لحدود الجغرافيا والسياسة والأيديولوجيا والمزاج واللغات وفوارق الطبقات والثقافات والإثنيات والحضارات؛ استجابت أمّ قصي لبكاء أمومة داخلي، يذكرنا بسؤال يتردد في داخلنا نحن كعراقيين نساء ورجالا: ما الذي يبكينا ويفطِر قلوبَنا حزنا كلما ذكر العراق؟

تقول أمّ قصي “كنّا موقد عز تفرق عنه الأحباب”. بهذه المعاني استبسلت لتحمي هؤلاء الشباب بتدبير مبيتهم وتأمينهم من جوع ومن خوف ولم تكتف بالرعاية بل تصرفت كقائدة لمجموعة في زمن المحنة، إذ سعت لتوفر هويات خاصة لهم كطلاب بأسماء وهمية في محاولة شجاعة وجريئة لعبور 11 نقطة تفتيش لمقاتلي داعش وباتجاه كركوك بسيارة نقل مضحيّة ببناتها لأغراض التمويه؛ وكان لها ذلك بعد مواقف تحبس الأنفاس مع أي خطأ محتمل قد يؤدي بهم جميعا إلى التنكيل والموت.

أمّ قصي، علية خلف صالح، ولدها قصي وزوجها والكثير من المقربين إليها قتلى، كانت مهجّرة تشبه كل أمهات العراق بل تشبه صورة العراق التاريخية في قلب الإنسانية كمهد بريء للحضارات والأبجدية والقانون؛ أمّ بكل ما تحمله من شفقة ورحمة اشتبكت عليها 17 يوما من أطول أيام التاريخ؛ أيام أنتجت لنا رواية عميقة بمثابة اعتذار وبـراءة من ثلمة عـار عمـلاء الاحتلالين الأميركي والإيراني، تعبيرا عن تطويق الخلل ومحاصرته ليعود العراق إلى سيرته الأولى حيث تسكن المعجزات بصمت يتطهر من دناءة الخونة ويتعالى برفض كل طارئ.

كم ساهمت تضحية أرنو بلترام في تحفيز المجتمع الدولي على محاربة الإرهاب
كم ساهمت تضحية أرنو بلترام في تحفيز المجتمع الدولي على محاربة الإرهاب

وكما كانت أمّ قصي مفتاحا من مفاتيح الثقة بالآمال العظيمة لغد العراق بما وهبت من شجاعة بلا حدود، كذلك تفتحت في فرنسا وردة أمل في قلب الإنسان أينما كان؛ وردة تعد بالتضامن والإخاء وتجسيد أرقى تعاليم مدارس التضحية والعيش من أجل الآخرين عندما حصد الضابط الفرنسي القتيل أرنو بلترام وسام جوقة الشرف من رتبة قائد بعد أن تطوّع ليحل بديلا لأحد الرهائن في العملية الإرهابية في مدينة تريب جنوب فرنسا.

ترى كم ساهمت تضحية أرنو بلترام في تحفيز المجتمع الدولي على محاربة ظاهرة الإرهاب التي امتدت في استعاراتها لتصبح منهجا للصراع من أجل النفوذ أو إصرار بعض الأنظمة على ارتكاب جرائم الاحتجاز والإبادات وحصار المدن.

أمثلة التضحية بالنفس من أجل الآخرين تزدحم في العراق أو بلدان الأزمات لكن التطوع محل رهينة في عملية إرهابية أشبه بالتطوع محل شخص بريء محكوم بالإعدام.

سلوك يدفعنا للقول: هل الحياة البشرية أفضل بعد العمل الإنساني والبطولي للضابط الفرنسي؟ مراسم التشييع المهيب في باحة متحف ليزينفاليد العسكري حيث يرقد نابليون بونابرت وبحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرؤساء هولاند وساركوزي وأحزاب المعارضة، كانت رسالة إلى بعض حكام العالم من الذين مازالوا يعتقدون أن الشعوب مجرد رهائن في قبضة إرهاب أجهزتهم القمعية.

أمّ قصي سيدة تريد منا ألّا ننسى العراق في وقت مستقطع واستثنائي؛ وألّا نخوض في مستنقع السلطات ومواثيق شرفهم بلا طائل؛ لأن ميثاق الانتماء للعراق لا يحتاج إلى تعهدات ولا إلى قسم أو وعود انتخابية مجربة أو تحريض على محاربة الأمويين أو العباسيين للفوز في انتخابات مايو 2018.

أمّ قصي حكومة للمصالحة والمحبة، بل إن ما أقدمت عليه تحول إلى صفعات قوية على وجه حكومات الاحتلال والمحاصصة الطائفية والسياسية والأغلبية والأقلية؛ ونأمل ألّا يتم تحويلها إلى مزاد سياسي في تقلبات نفاق الانتخابات لتظل السيدة أمّ قصي رمزا لدحر الإرهاب ومبرراته خاصة في نفوس المرضى القادمين من مختبرات الولي الفقيه الذين نقلوا عدوى الميليشيات والاختلافات والانقسامات إلى بلاد الرافدين وأنتجوا بعد مجزرة سبايكر سلسلة من مجازر سبايكر في الرزازة والصقلاوية وسامراء وغيرها… أمّ قصي والضابط الفرنسي أرنو بلترام أمّة من الإنسانية لن تهزم.

9