أم كلثوم.. صوت ألف وحدة عربية قومية بمفرده

السبت 2014/02/08
كوكب الشرق الذي لم يأفل بريقه

القاهرة – وصفت كوكب الشرق أم كلثوم على أنها من أعظم الأصوات العربية في القرن العشرين. دورها تجاوز مجال الموسيقى والغناء، لتصبح أشهر مثال على العلاقة الوطيدة التي تجمع الفن والسياسة، خاصة فيما يتعلّق بعلاقة أم كلثوم بعبد الناصر وثورة الضباط الأحرار.

3 فبراير 1975، ذكرى جنازة مهيبة تابعها الملايين في مختلف أنحاء العالم، جنازة صنّفت على أنها من أكبر الجنازات في العالم، لم تكن لزعيم أمّة أو لرئيس أو إمبراطور، ولكنها جنازة الصوت الشجي الذي نجح في أن يكون منطقة الإجماع النادرة للعرب..هي جنازة كوكب الشرق أم كلثوم، التي صنّفت السابعة عالميا من بين أكبر 10 جنازات في العالم، وحضرها أكثر من 4 ملايين شخص خرجوا لتشييع الموكب.

عن ذكرى وفاة أم كلثوم، كتب الفرنسي “بيجل كاربيير” في صحفية “الفيغارو” أنه برغم أن الأوروبيين لم يفهموا الكلمات إلا أنها وصلت إلى روحهم مباشرة. فيما نعت صحيفة “التايمز″ أم كلثوم قائلة إنها من رموز الوجدان العربي الخالدة. أما صحيفة “زيت دويتش سايتونج” الألمانية فكتبت أن “مشاعر العرب اهتزت من المحيط إلى الخليج”. الصحف العربية رددت النبأ في الصفحات الأولى بينما سيطر الوجوم على العرب، كانوا يعرفون أنهم فقدوا آخر رابط حقيقي بينهم. لقد فقدت مصر هرمها الرابع وفقد العالم العربي كوكبه المُشرق، لقد ماتت أم كلثوم وتم تشييع جنازتها، فكانت جنازة مهيبة جدا قدّر فيها عدد المشيّعين بأكثر من 4 ملايين شخص.

أم كلثوم التي مرّت ذكرى وفاتها خافتة، وسط ضوضاء جنيف 2، وصراخ دمشق، وتفجيرات بغداد، ومؤامرات الإخوان ضدّ حبيبتها مصر، كانت قبل نصف قرن محط معركة في الحرب الباردة بين أميركا وروسيا، عندما تنافست عليها الدولتان الأعظم لتقديم العلاج لها وتكريمها، وهي التي غنت أمام الرئيس الفرنسي شارل ديغول بعد النكسة مباشرة، وهو من قال لها بعد الحفلة “لقد لمست بصوتك أحاسيس قلبي وقلوب الفرنسيين جميعا”، هذه الأيقونة الخالدة مازالت محل تقدير وتبجيل في الغرب، كما أن جمهورها الواسع من العرب، لا يزال يعتبرها سيدته الأولى والناطقة باسم عواطفه ووجدانه.


نبض العرب


اسمها الحقيقي فاطمة إبراهيم البلتاجي، ولدت في 4 مايو 1904، وقيل أيضا إنها ولدت يوم 31 ديسمبر 1898، ولئن تضاربت الآراء حول تاريخ ميلاد أم كلثوم، إلا أن الجميع اتفق حول مسيرتها الفنية الفريدة واتحد في إطلاق لقب “كوكب الشرق” و”سيدة الغناء العربي” عليها. نشأت فاطمة في قرية طماي الزهايرة، مركز السنبلاوين، محافظة الدقهلية. وكان والدها إبراهيم البلتاجي إمام مسجد ومنشدا دينيا. وكان يطوف القرى منشدا التواشيح الدينية والقصائد العربية الفصيحة. وكانت ابنته الصغيرة ترافقه مع أخيها خالد إبراهيم البلتاجي. وقد حفظت عن والدها القرآن الكريم وترتيله، الأمر الذي سيساعدها لاحقا بشكل كبير في أداء القصائد العربية والمقاطع الصوتية القوية والصعبة.

مرت ذكرى وفاة أم كلثوم خافتة، وسط ضوضاء جنيف2، وصراخ دمشق، وتفجيرات بغداد، وصراع الإخوان على السلطة في مصر

وبدأت فاطمة، التي أطلق عليها والدها شهرة أم كلثوم، لأنها ولدت ليلة القدر، سنة 1917 الغناء كمنشدة للتواشيح والقصائد والمدائح النبوية في فرقة والدها المتجوّلة في القرى والأرياف سيرا على الأقدام.

ومن هناك ذاع صيت أم كلثوم وأخذت شهرتها تتصاعد. عرفوها في المدن المجاورة وأخذوا يتسابقون على دعوتها لإحياء أفراحهم ولياليهم. ولم تكن الإذاعة قد بدأت بعد، لكن الحديث عنها كان قد وصل إلى القاهرة التي جاءت إليها لإحياء ليلة الإسراء والمعراج في “سراي عز الدين بك يكن” في حلوان بعد أن سمع عنها. ثم اقترح الشيخ أبو العلا محمد، الذي رأته أول مرة في حياتها على محطة السنبلاوين مع والدها، أن تحضر مع أسرتها إلى القاهرة. وكان الشيخ أبو العلا محمد وزكريا أحمد، أول من امتدح صوت أم كلثوم وتوقع شيوخ الطرب في ذلك الوقت أن يكون لها صيت كبير. وفي العشرينات من القرن الماضي جاءت أم كلثوم إلى القاهرة، وقد دعمها الشيخ أبو العلا محمد، وقدّمها إلى شاعر عشقها وساهم بشكل كبير في شهرتها في ما بعد، وهو أحمد رامي.


محمد القصبجي.. الأستاذ


بداية المسيرة الفنية العريقة، حسب المؤرّخين، كانت عندما سمعها محمد القصبجي، الذي كان الملحن المجدد وقتها وذلك في عام 1924. في ذلك العام بدأ محمد القصبجي في إعداد أم كلثوم فنيا ومعنويا وتولى تعليمها المقامات الموسيقية والعزف على العود. وشكّل لها فرقتها الخاصة سنة 1926، وهو أول تخت موسيقي يكون بديلا لبطانة المعمّمين التي كانت معها دائما، وبلغ عدد ألحان القصبجي لأم كلثوم 220 لحنا أشهرها “إن كنت أسامح”، “ورق الحبيب”.

وكانت أم كلثوم مقبلة على التعلّم بنهم كبير، وبدأت تتذوق حلاوة الشهرة المحيطة بها، وفي أواخر سنة 1924، بدأت تختلط أكثر فأكثر بسيّدات المجتمع المخملي واكتسبت أسلوب الحياة المدنية، وغيّرت هيئتها فخلعت العقال والعباءة وظهرت في زي الآنسات المصريات وأصبح لها كيان جديد. وفي الأثناء توفي الشيخ أبو العلا محمد الذي ترك فيها تأثيرا روحيا عظيما وكان مرشدها في عالم الطرب.

استغل عبدالناصر صوت أم كلثوم لجلب المزيد من الشعبية والترويج لمشروعه القومي في أنحاء العالم العربي

ومع ازدياد نشاطها جلبت الانتباه وبدأ اسمها يظهر في بعض الصحف. وانطلق المشوار مع قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي والشاعر الشعبي بيرم التونسي وشاعر النيل حافظ إبراهيم. وقد كان شائعا في أوائل القرن العشرين أن يقدم المطربون قصائد بعينها بصرف النظر عن تفرد أحدهم بها، وكانت المباراة بين المطربين تكمن في كيفية أداء نفس القصيدة. وهكذا أدت أم كلثوم قصيدة “أراك عصي الدمع” مرة من ألحان السنباطي، ومرة أخرى من ألحان عبده الحامولي عام 1926. ولفتت صوتها الانتباه حين قدّمت قصيدة أفديه إن حفظ الهوى” للشيخ أبو العلا محمد. وفي الثلاثينات بزغ نجم أم كلثوم، وظهرت في أول فيلم سينمائي عام 1935 بعنوان “وداد”، بالتزامن مع ذلك، بدأت علاقتها برياض السنباطي مع أغنية “على بلد المحبوب وديني”، التي قدمت عام 1935 ولاقت نجاحا كبيرا. لينضم السنباطي إلى جبهة الموسيقي الكلثومية والتي كانت تضم القصبجي وزكريا أحمد. إلا أن السنباطي كان مميّزا عن الآخرين فيما قدمه من ألحان لأم كلثوم بلغ عددها نحو 90 لحنا، إلى جانب تميّزه فيما فشل فيه آخرون ألا وهي القصيدة العربية التي توّج ملكا على تلحينها. سواء كانت قصيدة دينية أو وطنية أو عاطفية، ولذلك آثرته السيدة أم كلثوم من بين سائر ملحنيها بلقب العبقري.


الأطلال


تبقى الأطلال من أشهر ما أنتج الثنائي أم كلثوم والسنباطي، وهي الأغنية التي اعتبرها النقاد تاج الأغنية العربية إحدى أروع كلاسيكيات الأغنية في القرن العشرين. وغنتها أم كلثوم عام 1966 وهي أجزاء من قصيدة الأطلال الأصلية، بالإضافة إلى أجزاء من قصيدة الوداع للشاعر إبراهيم ناجي. ولم تكن تلك هي المرة الوحيدة التي تدمج فيها أم كلثوم قصيدتين في أغنية واحدة، فقد فعلتها في أغنية حديث الروح وهي أيضا من تلحين السنباطي، حينما دمجت أجزاء من قصيدة شكوى مع أجزاء أخرى من قصيدة إجابة الشكوى للشاعر محمد إقبال.

وسنة 1934 شاركت أم كلثوم في افتتاح الإذاعة المصرية، ومنذ ذلك التاريخ دأبت على تقديم حفلة الخميس الأول من كل شهر في تقليد دام 40 عاما. في تلك الفترة الخمسينات، غنت “مصر التي في خاطري” و”أنشودة الجلاء” و”حسيبك للزمن” و”الرضا والنور” و”عرفت الهوى مذ عرفت هواك”، التي تم استعمالها في الفيلم الشهير “رابعة العدوية”. وانتهت فترة الخمسينات بواقعتين الأولى هي أن كلب أم كلثوم عض أحد المارة وبرأتها النيابة، وكتب الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم قصيدة “كلب الست”، الشهيرة.
عض كلب أم كلثوم أحد المارة وبرأتها النيابة واعتقلت الشاب.. فكتب الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم قصيدة "كلب الست" الشهيرة

ولم تمر هذه الواقعة دون ضجيج، حيث اعترض أساتذة جامعة الحقوق على قرار النيابة واعتبروه محاباة لأم كلثوم. أما الواقعة الثانية فقد حدثت مع أغنية “والله زمان يا سلاحي” لصلاح جاهين. ذلك النشيد الذي أتى به لها كمال الطويل ذات ليلة حدثت فيها غارة وحفظت النشيد على ضوء الشموع. وحين تقرر أن تسجله في محطة الإذاعة بشارع الشريفين يعترض أغلب الموسيقيين خوفا من إعلان إسرائيل أنها ستضرب محطة الاذاعة.


علاقة أم كلثوم بثورة يوليو


مع بداية الثورة، تم التعامل بعدوانية مع كل ما يخص عهد الملك السابق، فتم منع إذاعة أغاني أم كلثوم من الإذاعة نهائيا وطردها من منصب (نقيبة الموسيقيين)، باعتبارها “مطربة العهد البائد”.

لم يكن هذا قرارا من مجلس قيادة الثورة، لكنه قرار فردي تم اتخاذه من قبل الضابط المشرف على الإذاعة.

ورغم أن أم كلثوم غنت للجيش المحاصر في الفالوجا، أثناء حرب فلسطين أغنية “غلبت أصالح في روحي”، ذلك الجيش الذي كان من بين أفراده عبدالناصر وأنور السادات، إلا أنه تم اعتبارها ضد الثورة بسبب حصولها على قلادة صاحبة العصمة وغنائها للملك.

وصل الموضوع إلى جمال عبدالناصر شخصيا، الذي ألغى هذا القرار، ويذكر أن الذي أوصل إليه الموضوع هو مصطفى أمين في سبتمبر 1952 وعلى إثر نزاع على منصب النقيب يتم إلغاء انتخابات النقابة، ويتم تعيين محمد عبدالوهاب نقيبا للموسيقيين. على إثر هذا الموقف وما تردد عن مساندة بعض الضباط الأحرار لعبد الوهاب، بلّغت أم كلثوم قرار اعتزالها إلى الصاغ أحمد شفيق الأبو عوف، الذي نقله إلى مجلس قيادة الثورة، فذهب إليها وفد مكون من جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وصلاح سالم لإقناعها بالعدول عن رأيها، وقد أثرت هذه اللحظة فيها كثيرا جدا كما ظهر فيما بعد من أغانٍ لها ومواقف، وحملت إعجابا جارفا بعبدالنـاصر وبمواقفه ككل الشعب آنذاك، ويتجلى ذلك في أغنية مثل : “بعد الصبر ما طال نهض الشرق وقال.. حققنا الآمال برياستك يا جمال” أو “يا جمال يا مثال الوطنية.. أجمل أعيادنا المصرية برياستك للجمهورية”.

في التاسع من يونيو 1967 أعلن عبدالناصر تنحيه ومسؤوليته، فغنت أم كلثوم “حبيب الشعب” من كلمات صالح جودت وألحان رياض السنباطي. كما رثته بقصيدة “رسالة إلى الزعيم” كتبها نزار قباني ولحنها مباشرة، ليلة وفاة عبدالناصر رياض السنباطي، في 28 سبتمبر 1970، وكانت وقتها أم كلثوم تغني في إحدى الحفلات بروسيا فرثته بأغنيتها الشهيرة “زعيمنا.. حبيبنا… قائدنا”.

في السبعينات أضحت أم كلثوم كوكب الشرق التي توحّدت على حبّها كلّ دول العالم، من واشنطن إلى تونس، ومن برلين إلى بيروت، مرورا بباريس ولوس أنجلس والجزائر، فالكويت وسول وجوهانسبرج وريو دي جانيرو، وأبكت معجبيها في مصر وتونس وفرنسا وعمان من البلدان العربية وغيرها. عدد هام من دول العرب وعواصمها اتفقت في لحظة نادرة من تاريخ البشرية على شيء واحد “الست”،.. و”هذا هو” دور الفن الحقيقي، لا حدود ولا حواجز ولا تعقيدات، فقط الحب، والتشارك، حب الفنان والتشارك في الاستمتاع بفنه، مهما كانت اللغة التي يغني بها ومهما كانت عقيدته وانتماءاته.


لقاء السحاب


في العام 1964 تغني أم كلثوم واحدة من أشهر أغانيها على الإطلاق، الأغنية التي كانت نتاج تعاون تأخر لـ40 عاما كاملة بينها وبين موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب.

وقد أحدث ظهور أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، عندما اجتمعا بأمر من الزعيم جمال عبدالناصر، نقلة نوعية في الغناء العربي. وأفرز لقاء السحاب بينهما إحدى روائع الموسيقى العربية صوتا ولحنا وكلمة، أغنية “أنت عمري”، التي ابتدأ بنورها صباح تعاون جميل جمع بين هذين الكوكبين ونشر عبيره في سماء الموسيقى العربية.

وصف صوت أم كلثوم بأنه أقوى صوت رجالي نسائي جمع بين الأنوثة والذكورة، فكان سببا رئيسا في تفرّدها. وعظمة صوت أم كلثوم، حسب الخبراء، ويعود ذلك إلى عدة عوامل أبرزها اتساع مساحة الصوت، وهو لئن تميّز بالنبرة الرجولية، إلا أنه لم يكن يفتقر إلى القدرة على التعبيرات الناعمة في الأداء عندما يتطلّب ذلك المعنى واللحن. وما تميّزت به “ثومة” أيضا هو قوة الصوت النادرة، فقد كانت تبتعد عن الميكروفون لمسافة تناهز المتر، وحين تغني على الطبقات العليا تعود إلى الوراء مترا إضافيا. كما كانت تغني على مدى أربع ساعات متوالية في حفلاتها. وفي تجربة علمية أجريت سنة 1974 واستخدمت فيها الآلات الالكترونية لقياس مدى النشاز في الأصوات الغنائية المصرية المعروفة، ثبت أن نسبة النشاز في صوت أم كلثوم لا تتعدى الواحد في الألف من البعد الطنيني الكامل. “أوقاتي بتحلو معاك”، كان من المفروض أن تغنّيها أم كلثوم، لكن مرض التهاب الكلى داهمها وسافرت إلى لندن للعلاج، وتوفّيت الست دون أن تغنّيها، لكن جمهورها يؤكد أن “الحياة بتحلو” مع “الست”، كما الأمس واليوم وغدا، تحتفظ كوكب الشرق بعظمتها وقوة أغانيها.

15