أم كلثوم في ذكراها الأربعين

الاثنين 2015/02/02

بحلول يوم غد الثلاثاء تكون قد مرّت أربعون عاما على رحيل كوكب الشرق وشادية العرب ومطربة المشرق والمغرب أم كلثوم، تلك التي كانت تملأ الآفاق عطرا وضياء، وتجمع شعوب الأمّة حول صوتها كل ليلة خميس في أكبر تظاهرة قومية من أقصى المحيط إلى أقصى الخليج.

أربعون عاما مرّت ولا تزال أم كلثوم زعيمة الفن العربي، مذهلة بعبقرية صوتها، مدهشة بسموّ حضورها، فاتنة بعلوّ كعبها الثقافي، بعشقها للشعر الجميل، بعنفوانها في أداء الألحان الشرقية الصعبة، برقيها في التعامل مع روح الكلمة والنغم.

أربعون عاما مضت ولا تزال أم كلثوم حاضرة في وجدان الأمة بأغانيها التي كانت تهديها للحب والحياة والجمال، وبأناشيدها التي كانت تقدمّها للوطن والأمّة من مصر إلى فلسطين إلى العراق والكويت، وبحفلاتها التي كانت تحييها من القاهرة إلى تونس فالرباط والخرطوم ومن أبوظبي إلى بيروت إلى دمشق وطرابلس الغرب.

كانت سيدة للغناء العربي وسيدة للذوق وصانعة للوجدان، ولا تزال رفيقة العشاق والمحبين في كل حالاتهم من الود إلى الصد، ومن الوصال إلى الفراق، ومن الرضى إلى الزعل، ومن بهجة اللقاء إلى عذابات الهجران، ومن حلاوة الغزل إلى مرارة العتاب، ولا تزال رفيقة كل وطني حرّ، وكل عروبي صادق، وكل إنسان ينظر إلى الحياة نظرة الحب والأمل والتفاؤل والسلام والعنفوان. أربعون عاما، وأم كلثوم تتحدّى الزمان وترسم ملامحها على الأيام والأعوام، تنسج خرائط البوح العاطفي والدفء الإنساني، تصل بين أبناء الأمّة الواحدة في دور يتجاوز أدوار الساسة، ويتجاوز الجامعة العربية، مقتحما الحدود دون كتائب مسلحة، وموحّدا الأسماع والقلوب دون شعارات فضفاضة.

كانت أم كلثوم من جيل رائد لا يعرف التطرّف ولا الإرهاب، جيل يؤمن بأن الحياة مقدّسة، وأن الأرض تتسع للجميع، وأن الدين لله والوطن للجميع، وأن الحبّ والفن والجمال أبواب الجنّة المشتهاة.

قال لي أحد الأصدقاء إن ابنته المراهقة تحب أم كلثوم فقلت له: اطمئنّ عليها فإن روحها نقيّة ونفسها كبيرة وعقلها راق، والشعوب تقاس بمدى تذوّقها للفنون، والبشر الرائعون يتخذون من الفن الجميل مدارس ومناهج للحياة، وأم كلثوم جامعتنا نحن العرب، كانت وستبقى تناضل بيننا وفينا ومعنا من أجل حياة أفضل وأجمل وأكمل وأنبل.

24