أم كلثوم والموت

الأحد 2016/01/31

رحلت أم كلثوم عن عالمنا في 3 فبراير 1975، وقد ولدت عام 1898 وفقا للمؤرخين، وعام 1908 وفقا للطاعنين في السن.. لم تكن هناك شهادات ميلاد عند قدومها للدنيا، أخرجتها للحياة "داية" وشهد موتها طبيب.

أنا لست من عشاق هذه السيدة العظيمة التي يحبها الملايين، ذوقي مختلف، أهوى فيروز ووردة وفايزة أحمد.

ما قرأته وجمعته عن كوكب الشرق أحدث ضجة في الوسط الصحفي، كلفوني في صحيفة الجمهورية بتقديم صفحة عنها، والفن ليس تخصصي، لكن كان هذا التحدي الذي يفرضونه على أيّ سيء الحظ ليكتب عن فنان أو نجم سينمائي أو رياضي.

الجريدة كانت تحيى مرور 25 عاما على وفاتها، اخترت للصفحة عنوانا "الجانب الآخر لكوكب الشرق".

كان جانبا سيئا، فهي سيدة متسلطة، بخيلة مثل عبدالوهاب وعبدالحليم، تهوى إذلال منافسيها، ناكرة للجميل، فقد افتعلت معركة مع بيرم التونسي وزكريا أحمد ورفضت دفع أجرهما.

مات بيرم كمدا ولحقه صديق عمره زكريا أحمد بـ3 أشهر، كانا توأمي الفن، ظهرا معا ورحلا معا، كيف حصلت على المعلومات؟

بالصدفة والتخطيط، صديقي أحمد جاويش كان موسيقيا في فرقة أحمد فؤاد حسن، طلبت منه التعرف بأحمد السنباطي الملحن والمغني الشاب ابن الموسيقار الراحل رياض السنباطي.

اندهشت لمّا أخبرني بأن والده كان يقدّرها فقط كفنانة عظيمة، واستمر يلحّن لها لأنهما اشتهرا معا، ورغم أن عبدالوهاب وبليغ حمدي وسيد مكاوي وغيرهم أبدعوا معها، لكن السنباطي الذي لحّن أول أغانيه لها عام 1935، وظل معها 40 عاما، كان يرفض تصرفاتها وعنجهيتها وتهديدها المستمر بالسلطة، كان الكل يحجّون إلى منزلها في شارع أبو الفدا بالزمالك إما تزلفا أو نفاقا أو لقضاء مصالح وأيضا إعجابا وشغفا بها.

نالني نقد لاذع من صحافيين كبار، لكن رئيس التحرير دافع عني في مقال بالصفحة الأولى يوم 13 فبراير عام 2000، أكد فيه أن الفنان نعشق فنه إذا كان جيدا، لكن ذلك لا يغفر الخطايا ولا يبرر التجاوزات.

والحقيقة أن هناك جانبا من أم كلثوم لم أعرفه وقت كتابتي عنها، ولم تسنح الفرصة لأعرضه على القراء. فقد حدث في عام 2007 أثناء عضويتي بالبرلمان المصري أن تعرفت إلى الدكتور الشهير محمد حسن الحفناوي أستاذ الأمراض الجلدية وابن مؤسس هذا الفرع بالطب د. الحفناوي الكبير الذي ظل الزوج الوحيد لأم كلثوم طوال 31 عاما، منذ 1954 إلى أن توفاها الله.

وكان يتذكر ما كتبته عن زوجة أبيه، ومنه عرفت أن سوء خلقها وتسلطها يرجع إلى أسباب نفسية ومرضية، فكوكب الشرق كانت لديها مجموعة من العقد، هي لم تكن جميلة، وكسيدة كانت تغير من كل مطربة جميلة.

كرهت وردة الجزائرية جدا لأنها فاتنة، ودائما ما "تنرفز" بليغ حمدي الذي لم يكن يلتزم بمواعيده، ولكنها كانت تغفر له لإبداعه وهو الوحيد الذي كسر نظام أم كلثوم الصارم في البروفات.

"طبعا يا سيدي ما أنت غرقان في العسل مع وردة.. مش حتفضى لي" هكذا كانت تخاطبه..

مرضها بالغدة الدرقية أصابها بجحوظ عينيها، لذا كانت تصر على النظارة السوداء لا تخلعها إلاّ عند النوم أو في الحفلات، وبسبب "الغدة" أصبحت عقيمة، تمنت طويلا أن يكون لها طفل، لكن الله غالب على أمره.

تبنت ابن شقيقتها محمد الدسوقي الذي كان أشبه بمدير أعمالها، لم تكن تحب شقيقاتها وتشعر أنها ستموت وتترك ثروتها لهم.

على فراش الموت رقدت المطربة العظيمة ولم تكن أسلمت الروح بعد وتسمع ما يدور حولها، كان زوجها الدكتور حسن يدخل إليها كل 5 دقائق، وسمع يوم الوفاة ما لم يسمعه من أهلها طوال أكثر من 30 عاما، الشقيقات يقسمن التركة.. الكبرى تريد الأرقام السرية للخزينة، والوسطى تريد الذهب والألماس، والصغرى تريد السجاد والصيني الكريستوفل والحرير الياباني المصنوعة منه اللوحات.

ملاك الموت يقترب، وتشعر أم كلثوم أنها صاعدة لتقابل ربها، تسترجع في مخيلتها أغنيتها الخالدة في فيلم "رابعة العدوية" عندما توفيت شهيدة العشق الإلهي كما يسمونها “طاف بالسلام.. طائف السلام.. يوقظ النيام.. عهده الوثيق واحة النجاة.. أول الطريق هو منتهاه..”.

ورحلت أم كلثوم، ولم يتبق منها سوى أغانيها وتمثال لها أمام بيتها الذي باعته العائلة ليتحول إلى فندق كبير، رغم أن أسرة عبدالحليم حافظ حافظت على شقته وأشيائه وما زال عشاقه يزورونها سنويا في ذكرى وفاته، لكن أهل أم كلثوم باعوا تاريخها وذكراها!

24