أنامل تونسية تطوّع الحديد لتأثيث الحدائق بالشخصيات والحيوانات

الجمعة 2015/04/24
تصنيع المجسمات النباتية يستغرق بين شهر وعامين

في قلب الشارع الرئيسي بحي النصر، شمالي العاصمة التونسية، تنتشر محلات لبيع الورود والزهور بأشكال وهياكل غريبة ومتنوّعة ملفتة للانتباه، ففي هذا المكان تماثيل لحيوانات وأشخاص مكوّنة من أسلاك حديدية تلفّها نباتات خضراء رقيقة، وشجيرات قلّمت بطريقة إبداعية لتشكل صورا تحاكي الحياة بتفاصيلها الدقيقة..

يمتلك عزالدين الزاير، صانع المجسّمات الخمسيني، أحد محلات بيع الورود، في شارع الهادي نويرة، أشهر شوارع حي النصر الراقي، شماليّ تونس العاصمة، وقد حوّل جزءا منه إلى ورشة يبتدع فيها كلّ ما يجول بخاطره من أشكال وهياكل ومجسّمات تحاكي الحياة.

وأمام محل الزاير تستوقف المارة مجسّمات لحيوانات مختلفة وتصاميم لشخصيات معروفة، وأخرى لشبان منتفضين “ضد الطغيان”، إذ صمّم بعضها من الأسلاك الحديدية وبعضها الآخر من الزهور ونباتات الزينة، لتندفع بروح فنيّة تساير وقع الحياة.

يترك الزاير ما في يده جانبا قبل أن يسترجع أنفاسه، قائلا “اكتشفت موهبة النحت بالأسلاك الحديدية قبل ثماني سنوات عندما قمت بصناعة أوّل نماذج للحيوانات من الأسلاك الحديدية في بيتي”.

وبمرور الزمن، لاحظ الزاير أن هناك تطوّرا كبيرا في الأعمال التي أنجزها، ممّا حفّزه على المشاركة في أحد المعارض التي نظمتها وزارة الثقافة التونسية عقب ثورة 14 يناير 2011 بستة أشهر، فقد نالت أعماله إعجاب الفنانين التشكيلين وزوّار المعرض.

وفي ورشته المحاطة بالورود من كلّ جانب، يصنع الزاير هياكل وتماثيل حديدية لمجسّمات مختلفة من الحيوانات كالأسد والحصان والجمل، أمّا المّادة الأولية التي يستخدمها لتصنيع تلك النماذج فهي تتكوّن من أسلاك حديدية ذات جودة عالية، تحمي مجسّماته من التأثر بالرطوبة، لا سيّما أنّ النباتات النديّة تغطيها من كل نواحيها ولا تترك منافذ كثيرة للشمس.

وبحسب الزائر، فإنّ أوّل مرحلة يمرّ بها النموذج هي أخذ صورة في حجمها الطبيعي للحيوان ليتم تصميم مجسم له بالأسلاك الحديدية، ويستغرق ذلك وقتا يتحدّد بحجم المجسّم، فبعضها دامت فترة تصنيعه أكثر من عامين بينما لم تتجاوز نماذج لمجسّمات أخرى مدة الشهر.

من الدرويش التركي وشباب فلسطين إلى سبيدرمان

ويتابع الزاير “بعد الانتهاء من التصميم، من المستحسن أن يطلى النموذج بألوان تتناسب مع المادة الأوّلية وتعطيها بهجة أكثر، وخاصة منها الألوان الفضية”.

ولا يقتصر “الزاير” في أعماله على إنجاز مجسّمات وقوالب للحيوانات فقط، فهو يعالج مواضيع عدة تلامس جوانب عديدة من حياة المواطن التونسي والعربي، حيث يجسّد دفاعه عن القضية الفلسطينية من خلال نماذج لشبّان فلسطينيين يقذفون جنود الاحتلال الإسرائيلي المدججين بأسلحتهم بالحجارة.

واستلهم الزاير هذه النماذج، حسب قوله، مما يشاهده يوميا على شاشات التلفزيون من انتهاكات جسيمة في حق الفلسطينيين العزّل.

وفي هذا السياق، يقول إن هذه النماذج “بمثابة اعتراف وتقدير للشباب المنتفض في فلسطين المحتلة، فرغم ما يتعرّضون له من إهانات من قبل الاحتلال الصهيوني فقد قدّموا دروسا كبرى في النضال والدفاع عن الوطن”.

ومن المجسمات التي صمّمها الزاير أيضا شخصيتا الرجل العنكبوت “سبيدرمان” والرجل الوطواط “باتمان” اللذان يعرفان بكونهما شخصيات ترمزان لدى الأطفال إلى السلام والخير، إضافة إلى “الدرويش التركي” الذي يبلغ طول مجسمه حوالي 1.70 مترا ودامت مدة إنجازه أكثر من أربعة أشهر.

في ركن آخر من المحل يحوّل هذا المصمم نباتات خضراء جامدة إلى مجسمات جميلة تنبض حياة على شاكلة حيوانات مختلفة كالغزال والحصان.

يقول الزاير: يكفي أن ينجح الفنان في قولبة الشكل الذي يريده، ثمّ يضع النبتة في القالب ويقلّمها بطريقة دقيقة، ليتمكّن من ابتداع أي شكل بما يعطي لهذه النباتات حركة حياتية.

ويضيف “لا حدود للإبداع ويمكن للفنان بقليل من الابتكار والإلهام الاستفادة ممّا حوله وإنجاز أعمال غاية في الروعة والدقة”.

أمّا عن أسعار هذه المجسّمات، فيتحدّد وفق الوقت الذي استغرقه إنجاز كلّ منها، وكلفة المادّة الخام، والنباتات التي يراد تغطيتها بها. ويتراوح سعرها عموما بين 10 دولارات للمجسمات الصغرى و150 دولارا أميركيا للكبير منها. وهو ما يسهم أيضا في تحديد نوعيّة من يشتريها، لتكون تحفا نباتية تتّخذ مواضعها في الساحات الفسيحة للفنادق أو حتّى في الحدائق الخاصة، لتعطيها ألقا وجمالا أخّاذا..

20