أنا.."مُش مطمن"!

الجمعة 2014/01/03

انتهت دورة شمسية كاملة بأفراحها، وما أقلّها، وأتراحها، وما أكثرها، ومع كل نهاية سنة ولّت إلى غير رجعة، نلملم نحن المهتمين بالشأن الفنيّ شتات حصاد السنة المنقضية، علّنا نتبصّر في عتمة هزائمنا السياسية المتكرّرة وميض ضوء في الزقاق البعيد.. فنثمّن بعضا من انتصاراتنا، إن وجدت طبعا، ونحصي الكثير من انكساراتنا، العديدة قطعا.

سنة 2013 عدّها جلّ النقّاد، سنة الرحيل والغياب لعمالقة الثقافة العربية من رفيق الصبان مرورا بوديع الصافي وأحمد فؤاد نجم وصولا إلى رافع الناصري وغيرهم كُثر.

هذا دون الحديث عن خيباتنا الثقافية التي لم تتزحزح قيد أنملة، رغم ثراء التجربة الاجتماعية والسياسية التي تعيشها المنطقة العربية من الماء إلى الماء، ضمن ما اصطلح على تسميته خارجيا بالربيع العربي؛ أما محليا، فلكل بلد تسمياته الخاصة، بل ولكل طيف توصيفه الأخصّ بحساب الربح والخسارة، فإن كان مستفيدا عدّه ربيعا، وإن كان غير ذلك عدّه الخريف الذي يملأ السماء غيما لا ينفرط تماسكه، إلاّ بتلاشي “الخصم- الصديق” من ساحة معاركه الإيديولوجية التي نشطت في السنوات الثلاث الأخيرة كما لم تنشط من قبل.

المهمّ في كل ما تقدّم أنّ الحراك السياسي الذي تعيشه المنطقة لم ينعكس إيجابيا على ثقافتنا العربية، فلا فيلم سينمائي عالج الأزمة، وبقي في الذاكرة، ولا مسرحية تحدّثت عن المرحلة، فأقامت الدنيا وشغلت الناس، ولا أغنية واكبت الحراك الثوري لشعوب مدجّجة بالأمل والألم في آن.

معلوم أنّ الثورات.. أيّ ثورات.. لا يمكن هضمها والتحدّث في شأنها بالنقد والتحليل إلاّ بعد سنوات من اندلاع شرارتها الأولى، الأمر الذي يجعل من طرح البدائل الفنية يأتي متأخرا وعلى مهل ولو بعد حين، لكن المُعيب والمُخيف في أمر ثقافتنا العربية -خاصة في سنتها الأولى من الثورة- أنّها استسهلت إلى حدّ بعيد التعامل مع هذه الثورات، فأنتجت فنونا سينمائية ومسرحية، بل وحتى غنائية تعيد إنتاج ما أنتجه الشارع العربيّ من صيحات وهتافات ومطالب بعزّة الحياة.. أنتجته كما هو في لحظته البكر، دون زيادة ولا نقصان، بل وبنقصان.. فما جدوى الإبداع إن لم يضف من عنده، من روحه، من إرهاصاته ومن وجيعته الذاتية.. ما الفائدة من إعادة نغم الشارع، وصوت الشارع في أثر فنيّ، أو هكذا خُيّل إليهم، والحال أنّ نشرات الأخبار اليوميّة هي الأحق ببثّ هذا النبض.

الرسم، الشعر، السينما، المسرح، الغناء وكلّ فنّ أنانيّ أو لا يكون.. مُنطلقاته ذاتيّة، فردانيّة، لكنّها مؤسّسة لثقافة جماعيّة تتفاعل، ربّما، مع الأحداث، لكنّ الأهم هو فعلها في الأحداث.

مع بداية السنة الحالية أطلق الفنان المصري مصطفى قمر ألبوما غنائيا جديدا عنوانه “أنا مطمن”، في إشارة، ربّما، لتوق الشارع المصريّ ومنه العربيّ إلى زرع الطمأنينة في منطقة أنهكتها الصراعات والتفجيرات.. لكنّ المؤشرات، كلّ المؤشرات تُفيد أن لا شيء يُمكنه أن يتغيّر، طالما أن ثوراتنا العربيّة لم تسبقها ثورات ثقافيّة متأصّلة وعميقة تقلب الطاولة رأسا على عقب على الإيديولوجيات والحسابات السياسويّة الضيّقة، لذلك أقول عكس مصطفى قمر (المطمن): أنا.. “مُش مطمن”!

16