أنا أروي إذا أنا موجود

السؤال المثير لا يكون مفتاح المعرفة كما يفترض به أن يكون، لكنّه يكون إشعارا بالرغبة الجامحة للإمساك بزمام الوجود وتطويعه لما يمكن أن يوصف بالغاية والوسيلة في الوقت نفسه.
الاثنين 2019/04/01
الاستمرار في الكتابة الروائية يكفل نوعا من الاستمرار في الوجود نفسه

هل يمكن حصر الوجود بجانب معيّن محدود؟ ألا يعكس ذلك نوعا من تحجيم الوجود نفسه؟ هل يكون الوجود المقصود مقتصرا على الجانب الاعتباري والمعنوي أم أنّه يعني مختلف الجوانب بما فيه الوجود الفيزيائي نفسه؟

يتمّ إسقاط مقولة الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت “أنا أشكّ إذا أنا أفكّر، وأنا أفكّر إذا أنا موجود” على مختلف الحقول الحياتية والأدبية، بحيث يغدو الوجود بالنسبة لصاحبه مقرونا بالفعل الذي يحبّه ويشكّل بالنسبة له مثار اهتمام وشغف.

إن كان ديكارت جعل من الشكّ فضيلة بقوله إن الإنسان يجب أن يشك ولو لمرة واحدة في حياته، فإنّ الروائية الكندية مارغريت آتوود تحيل إلى عالم الكتابة الروائية بقولها: أنا أروي إذا أنا موجود. رابطة بين الرواية والوجود، وكيف أن الاستمرار في الكتابة الروائية يكفل نوعا من الاستمرار في الوجود نفسه. وكأنّي بها تلفت إلى أنّ على كلّ إنسان أن يكتب رواية، ولو كانت وحيدة على الأقلّ.

الرواية صنو الوجود لدى آتوود، ولدى غيرها من الروائيين الذين يضعون أعمالهم الروائية في صدارة أولويات حياتهم، بحيث يلغون ما يتعارض معها، ويقصرون وجودهم على ما يجود به عالم الرواية وما يعملون على إضافته لهذا العالم من روايات.

يكون سؤال الرواية والوجود مفتاحا لأسئلة أخرى عن جدوى الرواية نفسها في عالم محكوم بالسرعة والاستسهال، حيث يشعر المرء أنّه منغمس في دوّامة تستنزف طاقاته، وتسلبه قدراته على التفكير في ماهية وجوده أو غاياته، لأنّه يظلّ محكوما بالانشغال، واللهاث وراء سراب الأحلام من جهة، وخلف وجوده المأمول الذي يظنّ أنّه مؤجّل أو يخمّن مقدرته على تأجيله إلى حين.

السؤال المثير لا يكون مفتاح المعرفة كما يفترض به أن يكون، لكنّه يكون إشعارا بالرغبة الجامحة للإمساك بزمام الوجود وتطويعه لما يمكن أن يوصف بالغاية والوسيلة في الوقت نفسه.

بالنسبة للكاتب الذي لا يجد معنى لحياته بعيدا عن عالم الكتابة، فإنّ غاية الوجود لديه الكتابة، وتبلور الحياة واكتمال صورتها يتجليان من خلال العبور إلى وجوده الكتابي الذي يستمدّ استمراريته من تغذيته للحلم بالارتقاء إلى المثال المنشود دوما.

لا يخفى أنّه يحقّ لكلّ امرئ أن يحدّد غاية وجوده في مجال شغفه، كي يكون مساهما في توسيع رقعة الوجود الإنسانيّ نفسه، والبحث عن لونه الخاصّ به ضمن طيف الألوان التي يغتني بها عالمه، وتكون الكتابة للمسكونين بها مانحة الصوت واللون والتميّز والرغبة بالفرادة لهم، ودافعة إيّاهم إلى تجميل وجودهم بها وكأنّها تميمتهم الحامية لهم في حياتهم.

15