أنا أكره إذن أنا موجود

الثلاثاء 2014/10/14

يتصدّر الكره واجهة الدوافع من حيث قيادة المرء وتسييره نحو هذه الوجهة أو تلك، ربّما يدفع إلى ارتكاب جريمة دون أيّ رادعٍ أو وازع، وقد يختلق أسباب الجريمة ومبرّراتها وموجباتها، بحيث يجمّل ما يتبدّى بغيضا في الحالة الطبيعيّة.

يتجاوز الكاره كلّ الحدود ليشفي غليله من مصدر كرهه، ويهدّئ داخله المنتفض بحثا عن الانتقام. هل يكون الشرّ هو الأكثر تأثيرا في العالم واستمراريّة في الزمن..؟ هل يظلّ الدافع الخفيّ وراء نوازع الهيمنة والتحكّم والتدمير..؟ هل حقّا يرتكز الشرّ على الكره لإبقاء جذوته متّقدة..؟ ألا يرتوي الكره المتغوّل من ضحاياه..؟ هل الكره هو العاطفة الأوّليّة الحقيقيّة -كما يصف البعض- أم أنّه في صراع العوالم الداخليّة ينوس بين الانتصار المؤقّت والانحسار التالي..؟ هل ينطبق على الكره المثل القائل بأنّ “الضدّ يظهر حسنه الضدُّ”..؟

لعلّ بعض الروائيين أدرك أنّ الشخصيّة المختلّة تعيد التوازن باختلالها إلى ما يفترض أنّه عالمه ومجاله الحيويّ، بأن يظهر للقارئ كمرآة فاضحة لداخله، يكشف عن خفاياه، عمّا لا يقال، يصرّح بالأقسى، يجرح ليداوي، يبرز قوّة العتمة الجليّة التي تنير للقارئ دربه نحو ذاته، ونحو الآخر.

في رواية “مقبرة براغ” يشتغل الإيطاليّ أمبرتو إيكو على عدّة ثيمات وقضايا. يجسّد بطله سيمونيني بؤرة الشرّ المتجدّدة، ينضح غلّا وحقدا على الآخرين، لا يترك أحدا من شروره، يجيّر خدماته كمزوّر ومزيّف في خدمة الأجهزة المخابراتيّة. ومؤرّخ الأكاذيب والتلفيقات التي يصوغها في قوالب الحقائق، مدفوعا بالحقد المنقطع النظير.

يعبّر بطل إيكو عمّا يستبطنه من حقد يدفعه إلى الاستلذاذ بإيقاع الآخرين الذين يضعهم كخصوم له، وتصفيتهم، يكون كرهه مجيّرا للهدم والتخريب، يبحث عن فرائسه بين المطلوبين لهذه الإمبراطوريّة أو تلك، يؤجّر قلمه وكفاءته ومسدّسه، يمارس هوايته كمحترف في عالم الحقد الأعمى. تراه يعبّر عن وجهة نظر تبدو غريبة، لكنّها تصدق على ما يمكن توصيفه بالجانب الأعمى في النفوس، حين يذكر أنّ معنى الهويّة يقوم على الكره، كره من هو غير مماثل. وأنّه “ينبغي تنمية الكره كعاطفة مدنية. العدوّ هو صديق الشعوب. يجب أن يوجد دائما هناك أحد نكرهه لكي نجد لأنفسنا ما نبرّر به بؤسنا الخاصّ. الحبّ هو الذي يمثّل وضعيّة غير عادية. لا نحبّ أحدا طيلة الحياة، من هذا الأمل المستحيل ينشأ الزنا، وقتل الأمّ، وخيانة الصديق.. على عكس ذلك بالإمكان كره أحد طيلة الحياة. يكفي أن يكون حاضرا لتغذية نار كرهنا. الكره يدفّئ القلب".

أمام فيض الأحقاد المتناسلة من بعضها، والمتكاثرة التي تغرق محيطنا، وتغرقنا، كم بيننا مَن يتّفق مع سيمونيني في صرخته: “أنا أكره إذن أنا موجود”؟!


كاتب من سوريا

15