أنا أنت، اليوم وغدا.. "الآخر" في الفكر الغربي

الأحد 2014/02/02
تخطيط: ساي سرحان

لقد كثرت المناقشات في السنوات الأخيرة حول مفهوم “الآخر” سواء على الصعيد السياسي أو على أصعدة النظريات الثقافية، والآداب، وعلم الاجتماع، والإثنوغرافيا، والتحليل النفسي والأنتروبولوجيا، والدراسات التاريخية والحضارية وهلمّ جرا، ولكن هذا المفهوم ملتبس ويسوده الغموض وهو في حاجة إلى التحديد.

في هذا السياق يلاحظ مؤلفو قاموس ” المفاهيم المفتاحية في نظرية الأدب” وهم جوليان، وولفري، وروث روبنز وكينيث ووماك أن مصطلح الغير/ الغيرية يعني التسمية التي نطلقها على كيفية أو على حالة وجود الإنسان ككائن آخر أو التسمية التي نطلقها على “المختلف” عن المعايير المؤسسة والجماعات الاجتماعية، وهو التمييز الذي يقيمه الفرد بين الذات والآخر وخاصة على أساس الجنسانية والإثنية والمعاني العلائقية للاختلاف. ومما لا شك فيه أن هذه التعريفات لا تستقيم ولا تفي بالغرض دون الاستعانة بالفكر النظري التحليلي النفساني، ولهذا فإنه من الضروري فتح المجال لفكر مجموعة من منظّري التحليل النفسي وفي المقدمة المحلل النفسي الفرنسي الشهير جاك لاكان والمفكرة الفرنسية ذات النزعة النسوية النقدية ” لوس إيريغري ” وذلك من أجل توضيح مفهوم ” الآخرية”.

في نظر المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان لا يوجد “آخر”، أو “غير واحد” بل هناك “آخران”، ويدعو الأول بالآخر الصغير The Small other ويدعو الثاني بالآخر الكبير. وهكذا فالآخر الصغير يعني عند هذا المحلل النفسي ذلك الذي ليس حقَا بالآخر، ويعني تحديدا ذلك الذي يكون انعكاسا أو إسقاطا للأنا The ego، أما ” الآخر الكبير” The big Other فيعني عنده ” الغيرية الراديكالية التي لا تختزل إلى أي تماه خيالي أو ذاتي”.

ويحيل ” الآخر” عند الفيلسوفة النسوية الفرنسية لوس إيريغري إلى الموقع الذي تحتله المرأة دائما بداخل الثقافة البطريركية والثقافات الذكورية، وبعبارة أخرى فإنَ مفهوم “الآخر” يعرَف كـ”دال الحضور والأصل أو المركزية”، ونفهم من كل هذا أن مفهوم ” الآخر” يتجاوز المفهوم التقليدي المتداول المدعو بـ “الأنا”The ego: ولا ينبغي إساءة فهم معنى العبارة المتداولة والقائلة بأن الأنا هو الآخر لأن هذه الأنا هي مجرد إسقاط نفسي، أو انعكاس أيضا كأن يرى الإنسان صورته في المرآة ويقول: “هذا هو أنا”، وفي الواقع فإنَ صورته تلك ليست بـ”أناه” الحقيقية وإنما هي صورة فقط ومجرد انعكاس في المرآة.

كما ينبغي التمييز بين الآخر وبين الأنا المتماهية مع الآخر تماهيا مطابقا وهو التماهي الذي يمنع الفرادة أن تتجلى وتحقق وجودها الخاص بها. وعلاوة على ذلك فإننا قد أصبحنا قادرين أن نفهم أيضا أن ” الآخر” هو موقع الإنسان في السلم الاجتماعي والطبقي، أو الثقافي أو السياسي أو الجنساني. بناء على هذه التمايزات فإننا نجد أنفسنا أمام عدد من المحددات التي تحدد الآخر منها المحدد النفسي والمحدد الاجتماعي، والمحدد السياسي والمحدد اللغوي وهلمّ جرا. ووفقا لهذا التحليل فإن ” الآخر” فهو مثل الهوية لا يوجدان هكذا بشكل معطى أو أنهما يمنحان منحا بل فإنَهما نتاج وتشكيل اجتماعي، وثقافي، ونفسي بامتياز كما قال جاك دريدا في تنظيره للهوية كعملية إنشاء وتحول.

في هذا السياق يمكن للمفكر بول ريكور أن يساعدنا على تنمية النقاش حول أنماط ” الآخر”، وهو يرى أن فكرة “الغيرية” ” قد اغتنت بتأليفات كثيرة، حيث هناك ولا شك الآخر من حيث هو جسد ولكن هناك أيضا الآخر من حيث هو هذا “الغير” المتجلي بوصفه محاورا على صعيد الخطاب، وبوصفه بطل الرواية أو الخصم على صعيد التفاعل أو التشابك، وأخيرا هناك الآخر بوصفه حاملا لتاريخ غير الذي هو لي في تواشج روايات الحياة”. في هذا السياق يضيف بول ريكور ” آخر ” من نوع مختلف وهو الضمير الأخلاقي الذي يسميه “التحليل النفسي بالأنا الأعلى”، أي الضمير الأخلاقي الذي يقيم بداخلنا.

فما هو الأنا الأعلى؟ في التحليل الأخير فإنَ “الأنا الأعلى” باعتباره “آخر” هو مجموعة من القيم الاجتماعية، والثقافية، والدينية المدعوة بالسجل الرمزي الذي يفرضه علينا المحيط الاجتماعي الذي نولد أو نعمل فيه، ومن ثمَ نستدخله بلا وعي إلى لاوعينا ليصبح مكونا لبنيته. وهكذا ندرك أن بداخلنا أكثر من آخر، إذ هناك الأنا كآخر وهناك لاوعينا كآخر وهناك الضمير الأخلاقي أي الأنا الأعلى كآخر، أما العلاقة بين أنماط الآخر هذه فإنها تتميز بالتفاوض حينا وبالصراع حينا آخر من أجل تحقيق العقلانية والانسجام الاجتماعي والانخراط في الحضارة التي لا تولد إلا بالعنف الذي يجبرنا على التخلي عن رغباتنا اللاواعية المناقضة للوازع الاجتماعي السائد في المجتمع.

في كتابه “تحطيم المرايا” يعَرّف الكاتب العراقي الدكتور عبدالحسين شعبان الآخر على أساس الأنا في تواصلها مع الآخرين: “أنا موجود بوجود الآخر (أنا وأنت)”.

ثم يواصل قائلا: ” فالحوار الذاتي هو تواصل مع الأنا والأنات الماثلة في الأنا، أما الحوار مع الآخر فهو تواصل وانفتاح صوب الخارج بضرورات وحجاجات الداخل”.

ويميز الدكتور شعبان بين حوارين وهما حوار الائتلاف مع الذات، وحوار الاختلاف مع الآخر”. وبالتالي فإن الدكتور عبدالحسين شعبان يجادل، وهو محق في ذلك، ” أن الحوار هو خروج عن النص بل هو حوار خارج النص، أو لنقل نفس خارج السائد أو خروج عليه”، ويعني هذا أنه حينما نتمسك بنصنا لحد التقديس والانغلاق النرجسي فإن الحوار مع الآخر يبطل أو يتحول إلى عملية عنف تسلب الآخر إمكانية وجوده المستقل وتبطل بالتالي إمكانية صنع التناص بين الأنا والآخر. في إطار تدقيق وتمحيص مفهوم “الآخر” يلخص كل من سعد البازعي وميجان الرويلي مجموعة من التعريفات المتداولة في النظريات النقدية الغربية عند كل من جان بول سارتر وميشال فوكو وجاك لاكان وليفيناس وغيرهم التي تفيد أن ما يميز سمة ” الآخر” هو “تجسيده ليس فقط لكل ما هو غريب، وغير مألوف أو لما هو “غيري” بالنسبة إلى الذات أو إلى الثقافة ككل، بل أيضا إلى كل ما يهدد الوحدة والصفاء”.

ومن جهة أخرى يشير البازعي والرويلي إلى دور “الآخر” في تكوين الذات عند جان بول سارتر الذي يعتقد أن “وعي الذات الوجودي يتأسس تحت تحديق الآخر، وإلى نظرية فوكو القائلة بأن الآخر هو “اللامفكر فيه في الفكر نفسه، أو هو الهامشي الذي يستبعده المركز أو هو الماضي الذي يقصيه الحاضر”.

وفي الواقع فإن البازعي والرويلي يهملان بعدا مهمّا في نظرية “الآخر” عند فوكو وهي النظرية التي تشدد على أن الذات، والآخر هما من تشكيل الخطابات المولدة للمعنى ومن تشكيل المعرفة / القوة. أمَا جاك لاكان فنجده يولي اللغة كسجلّ رمزي أهمية بالغة في عمليات بناء الذات وبناء الآخر معا، لأن اللغة ببساطة سابقة على وجود الإنسان في داخل شبكة المنظومة الثقافية- الاجتماعية. فالطفل الصغير لا يصبح كائنا اجتماعيا إلا إذا دخل ضمن شرط اللغة التي سبقت ميلاده، وبعبارة أخرى فإن اللغة- السجل الرمزي هي التي تشكل هويته، أما الطفل في مرحلة ما قبل اللغة فلا توجد له هوية حقيقية.

في هذا السياق ذاته يقول أحد المنظرين إن ” الذات تتأسس من الآخر، أي أن معمار ذات الطفل هي من تشكيل والديه ليس كفردين فقط وإنما كحاملين للثقافة وللمعايير الاجتماعية ..”.

11