أنا البرتغال

اليوم بات من حق كريستيانو رونالدو أن يقول أنا الريال.. أنا الأسطورة الحية.. أنا البرتغال.
الأحد 2018/06/17
الأسطورة الحية

ألم أقل لكم أكثر من مليون مرة إنني أسطورة؟ ألم تحدثكم إنجازاتي على امتداد خمس عشرة سنة أو أكثر عن عبقريتي وقوتي وموهبتي المتفردة؟ ألم أثبت لكم بل للعالم بأسره أنني أستحق عن جدارة أن أكون في الصف الأول لأساطير الكرة العالمية على امتداد التاريخ؟

ربما كان هكذا يردد كريستيانو رونالدو بعد المباراة الممتعة والمشوقة التي جمعت بين منتخب بلاده البرتغال ونظيره الإسباني في ثاني أيام المونديال الروسي.

لقد كانت مباراة “الدون” رونالدو بامتياز، كانت أشبه بعرض مسرحي بطله الوحيد والأوحد هو “صاروخ ماديرا”، فرونالدو فعل كل شيء، قدّم عرضا مبهرا استثنائيا لا يقدر على تقديمه سوى من هم في مرتبة “آلهة” الكرة.

تلك المباراة المجنونة التي انتهت بتعادل مثير بنتيجة 3 – 3، اتفق الجميع على أنها مباراة كانت بالأساس بين المنتخب الإسباني والدون كريستيانو رونالدو في المقام الأول، لقد اختزل هذا النجم “الخرافي” كل العبارات والفصول، كل الكلمات والعبارات وارتدى بمفرده ولوحده ثوبا “خياليا” جعله أشبه بروح “مختصرة” للبرتغال.

رونالدو فعل كل شيء بمفرده، صنع الهدف الأول في اللقاء بعد أن أجبر مدافع المنتخب الإسباني ناتشو على ارتكاب الخطأ في المناطق “المحرمة” ليحصل على ركلة جزاء، طبعا تحمل بكل ثقة المسؤولية وتولى تنفيذها بكل براعة ونجاح واضعا نفسه في المقدّمة في مواجهة منتخب إسبانيا القوي والعنيد.

تقلبات المواجهة مكنت المنتخب المنافس من تعديل النتيجة، لكن النجم البرتغالي المتألق أبى أن ينتهي الشوط الأول دون أن يصنع هدفا مميزا جعله يتقدّم من جديد.

الفترة الثانية استهلها “الماتادور” الإسباني بشكل مثالي ليعدل النتيجة في مرحلة أولى قبل أن يختطف هدف التقدّم وسط ذهول “كومبارس” منتخب رونالدو، فالمنتخب الإسباني لم يزعجه في تلك المواجهة سوى لاعب وحيد، لاعب كألف، لاعب يستحق أن يكون في مكانة أعلى من المنتخب، بل هو لاعب يجبرنا أن نقلب المعادلة لنقول إن المنتخب البرتغالي المنتمي إلى رونالدو، وليس العكس.

قلنا إن المباراة لم تنته، ففي عز سيطرة المنتخب الإسباني الذي قدّم مستوى جيدا خاصة بالاعتماد على التبادل القصير للكرة، وفي أحلك فترات الظلمة والعتمة في المعسكر البرتغالي، انطلق السهم وأشع “صاروخ ماديرا” ليملأ المكان نورا كسا كل محبيه ولهيبا حطم الكبرياء الإسباني.

في أشد لحظات التوتر والإحباط البرتغالي أطل الأسطورة ليواصل صنع الملحمة بعد أن أجبر منافسه على ارتكاب الهفوة من جديد ليحصل على ضربة مخالفة في مكان محبّذ له، تنفّس رونالدو عميقا، قدّر المسافة وقرأ مسار الكرة قبل أن تنطلق، ثم أطلق “صاروخه” النفاذ ليصيب الشباك هدفا ثالثا رائعا ومميزا انتزع به التعادل لنفسه قبل دقيقة واحدة من نهاية المباراة التاريخية.

ثلاث طلقات رائعة جعلت رونالدو مرة أخرى يصل إلى عنان السماء ويثبت أنه يستحقّ أكثر من مجرد تمثال في بلاده، ربما يستحقّ أن يكون اسمه على فانلة المنتخب البرتغالي، فما قدّمه سابقا ويقدّمه حاليا يمنحه بكل أحقيّة مكانة متقدّمة عن كل أساطير البرتغال على غرار أوزيبيو ولويس فيغو وروي كوستا.

يكفي رونالدو فخرا أنه كان القائد والملهم عندما حازت البرتغال على لقبها القاري الأول في يورو سنة 2016، يكفيه فخرا أنه أمّن حضورا دائما لهذا المنتخب في البطولات الكبرى طيلة السنوات العشر الماضية، ففي كل مرة تجد البرتغال مشكلات في تصفيات المونديال كان رونالدو المنقذ والبطل، وما حصل مثلا في تصفيات مونديالي 2010 ثم 2014 يثبت قوة تأثير كريستانو وأهمية وجوده مع هذا المنتخب.

اليوم بدأ رونالدو المونديال كأبهى ما يكون، لقد تصدّر مبكرا صدارة الهدافين بثلاثية كاملة، والحصيلة مرشحة للارتفاع منذ الدور الأول، خاصة وأن المواجهتين المقبلتين تمنحانه فرصا أكبر لمضاعفة “غلته”.

رونالدو سيسعى بلا شك إلى قيادة “منتخبه” إلى أعلى المراتب ولم لا المراهنة على اللقب العالمي، ربما ينجح في إعادة صياغة التاريخ والسير عل خطى المنتخب الإسباني الذي توج بلقب يورو سنة 2008 قبل أن يتوج بكأس العالم بعد عامين فقط في جنوب أفريقيا.

صحيح أن المنتخب الإسباني حقّق إنجازاته السابقة بفضل وجود جيل ذهبي من اللاعبين الذين يتقاربون في المستوى والموهبة، لكن رونالدو لوحده قادر على أن يلهم “منتخبه” ويحقّق المطلوب.

ألم يفعلها سابقا الساحر الأرجنتيني مارادونا عندما صنع بمفرده وبمجهوده الشخصي ملحمة مونديال المكسيك سنة 1986 وتوج باللقب العالمي؟

إذا، لا شيء قد يمنع رونالدو أن يحقّق إنجازا مماثلا فيصبح بالتالي ملك الملوك في حضرة الأساطير، فما حقّقه طيلة السنوات الأخيرة كسر كل الحواجز والعوائق وفتح أملا جديدا بخصوص القدرة على صنع المعجزات، والمونديال الروسي قد يعرف معجزة جديدة من قدم الساحر والملهم رونالدو.

بالأمس القريب ارتدى هذا “الدون” ثوب اللاعب التاريخي والأسطوري لريال مدريد، خاصة وأنه حطم كل الأرقام الشخصية مع هذا الفريق وقاده للحصول على أربعة ألقاب خالدة في دوري الأبطال، وجاء اليوم الدور على البرتغال. اليوم بات من حق “كريس” أن يقول أنا الريال.. أنا الأسطورة الحية.. أنا البرتغال.

23