أنا الدكتاتور: شخصية المبدع العربي

يصبح الوطن لاشيء أمام "انتفاخ الذات" المعطوبة، ومرض "أنا الدكتاتور" هو مرض السيكو-ثقافي- سياسي يعشش في حقل الإبداع الثقافي كما في السياسة ونظام الحكم.
الأحد 2018/03/25
المبدع يتوهم نفسه وكأنه ديك الخم الأوحد (لوحة: محمد ظاظا)

يعاني الفضاء الرمزي العربي، ثقافيا وسياسيا، من مرض اسمه “الأنا الدكتاتور”، حيث تطغى صورة “الأنا” المتضخمة والمحاربة لفكرة “المجموع” أو “الجماعة”، يغطي وجود هذه “الأنا” المريضة على وجود “الوطن” الذي يصبح صغيرا، ملحقا بها، يصبح الوطن لاشيء أمام “انتفاخ “الذات” المعطوبة. ومرض “أنا الدكتاتور” هو مرض السيكو-ثقافي- سياسي يعشش في حقل الإبداع الثقافي كما في السياسة ونظام الحكم.

حين نعاين الصورة الاجتماعية للمبدع العربي المريض بـ”أنا الدكتاتور”، وهي الصورة التي يرسلها عن “نفسه” شاعرا كان أو روائيا، نشعر وكأن الأدب العربي بدأ به، وسينتهي به ومعه، وكأنه هو من اكتشف الأبجدية وصنع الكتابة والكتاب، وأنه لولا نصوصه لسقطت السماء على العباد.

وهي صورة مصنوعة على مقاس “أنا” السلطان، “أنا” القائد العظيم، “أنا” الزعيم الأوحد، رب الأرباب.

فكما المبدع يبدو، أو هكذا يتوهم نفسه، وكأنه ديك الخم الأوحد الذي له الجناح المطلق على الدجاجات كلها، فعلى ذات المنوال يبدو القائد السياسي هو الآخر بصورة وكأنه هو “الله” الذي ينزل المطر ويثمر الشجر ويطعم الطير ويجري الساقية ويصون العرض ويحمي الحدود من الأعداء والأشرار، ولولاه لكانت الأرض خرابا والزرع مشاعا.

إن حالة “تضخيم” الذات تشبه حكاية الضفدعة التي أرادت أن تصبح في شكل فيل، فأخذت تنفخ جسدها وأوداجها حتى انفجرت، كذلك حال “تضخيم” الذات لدى المبدع العربي والزعيم العربي على حد سواء.

وأعتقد أن هذه حالة مرضية يعاني منها الحقل الثقافي الإبداعي، كما يعاني منها النظام السياسي، فالمبدع يعتقد بأن وجوده سابق عن وجود الوطن، سابق عن وجود الإبداع في هذا الوطن، وبالتالي فإن لا وجود لثقافة الوطن دونه وحيدا ومن غير الآخرين. وأن على الجميع قراءة ما يكتب لأن ما يكتبه يغنيهم تماما عن قراءة الآخرين.

كما أن الزعيم السياسي وبـ”ذات مضخمة” “متورمة” يرى نفسه الباقي الخالد بعد فناء الوطن والموجود قبل وجود الوطن، وأنه يتواضع كي يكون في خدمة “الوطن” وأن عبادة الناس له هي من الواجبات الأولية ومن الشروط الأساسية لإمكانية العيش تحت “جناح” رحمته.

وتعامل المبدع العربي مع “الميكرو” بحالة “الليبيدو” وبحس “الامتلاك” هو محاولة منه لجعل صوته فوق جميع الأصوات، وهي ظاهرة سيكولوجية- مرضية يمكن الوقوف عليها في “النص” الشعري بما فيه من “الخطابة” و”المنبرية” و”التقريرية” و”الصراخ”.

وذات الحال المرضي – السيكولوجي نجده متجليّا في شخصية الزعيم العربي في حضرة “الميكرو”، على المنصة، فالزعيم العربي “فوّاه”، وقد عرفنا زعماء تطول خطبهم الساعات، محاولين تحويل الهزيمة في الواقع إلى نصر في اللغة وفي الخطبة العصماء.

إن ثقافة “الدكتاتور” هي حالة سيكولوجية يعيشها ويحتفل بها ويعيشها ويورثها “الزعيم” السياسي و”الشاعر” على السواء. وفيها ومن خلالها يتم إلغاء “المجموع” ويحتفل بالواحد بديلا عن الجميع، حتى تجيء ساعته ليبدّل بواحد آخر.

إن طغيان ثقافة “الأنا الدكتاتور” في المجتمع العربي والمغاربي لم تسمح بالانتقال إلى عصر “المواطنة” وعصر الحرية الفردية التي هي احترام حق “الجميع” في اختيار مصائرهم في ظل قيم العيش المشترك.

10