أنا الكاتب والفنان أفكر جديا في الانتحار

الأربعاء 2014/07/09
من أعمال الفنان التشكيلي محمود شاهين

عمان-الأردن - ما يحملني على هذا الاعتراف هو: مأساة المبدع والمثقف بين الفن والحياتي اليومي، بين تحرر جناحيه اللذين تلاحقهما سكاكين الرقابة ومسايرته لكي يتمكن من النجاة بتحصيل أبسط مقومات الحياة. المبدع يبذر جراحه وأفكاره وروحه لأجل آخرين، فلا يحصد إلا الخيبة والجوع والتهميش، يضاف إلى ذلك أن المبدع ذلك الكائن الشفاف هو الأكثر عرضة للعنف والترهيب. ويكاشفنا المبدع محمود شاهين الكاتب والرسام السوري بعالمه الذي انقلب رأسا على عقب بعد الأحداث التي يعيشها بلده إلى اليوم.

أمضيت قرابة 25 عاما من عمري أعمل في الصحافة من 1970 حتى 1995. لقد عانيت كثيرا، فقررت التفرغ للأدب قبل أن يطوي الزمن سنين عمري، خاصة وأن طموحي الأدبي كان كبيرا.. كنت أعتقد أن الكتابة المجددة قد تدر مالا يكفي للعيش، ورحت أكتب بنفس مراوغ لأمرر كتابتي من مصفاة الرقابة. كتبت “الملك لقمان” وعلى هامشها “غوايات شيطانية”، لكنني لم أجد ناشرا من المحيط إلى الخليج يقبل بنشر أي من الروايتين؛ فالتهمني الإحباط.

كان الجحيم أهون عليّ من العودة إلى الصحافة. ثم لا أعرف كيف باغتني هاجس الرسم ذات فجر، الرسم الذي لم يكن أكثر من هواية لي، أقل حتى من هوايتي للعب الشطرنج الذي يأسرني. أغلقت على نفسي باب غرفتي لأكثر من ستة أشهر ورحت أصارع الألوان ليلا ونهارا. وهكذا كان معرضي الاحترافي الأول في المركز الثقافي الروسي سنة 1995. لقد كلفتني البراويز التي وضعت فيها لوحاتي الأولى أكثر من مئة ألف، ولم أبع إلا بـ23 ألفا.. ومع ذلك لم تهن عزيمتي، فقد عشقت الرسم إلى حدّ لم أتوقعه على الإطلاق.


تجربة الرسم


عانيت في العامين الأولين، عرضت أعمالي في الشوارع والحارات والمقاهي.. إلى أن تعاقدت مع أشهر وأقدم المقاهي في دمشق “مقهى النوفرة” على معرض دائم، دام لستة أعوام. بعت في المقهى آلاف اللوحات، فموقع المقهى في دمشق القديمة يجعل أي زائر أو سائح من أي مكان في العالم يأتي إليه.. اشتهرت عبر هذا المقهى في العالم وتلقيت دعوات من عواصم عالمية لإقامة معارض بها.. فعرضت في برلين وباريس وفلسطين وفي مدن وعواصم أخرى عربية وعالمية.. وقد كان للصوص الفن حظ كبير معي، فأخذوا نصيبهم بما لا يقل عن 700 لوحة..

افتتحت معرضا خاصا بعد ذلك، وقد كتب عنه في أشهر الكتب السياحية العالمية عن سوريا ولبنان.. وأجريت معي عشرات اللقاءات في الصحافة العالمية. فأصبح من النادر أن يأتي سائح إلى دمشق ولا يهتم بزيارة معرضي. أمسى دخلي جيدا جدا.. إذ يندر أن يمر يوم لا أبيع فيه لوحة أو أكثر، إلى أن صار لي في العالم قرابة سبعة آلاف لوحة في أكثر من ثمانين بلدا.. حتى أنني لم أعد أفكر حتى في الأدب. الذي تحطم طموحي في خوض غماره، وإن وجدت من ينشر “الملك لقمان” و”غوايات شيطانية” بعد 13 عاما من كتابتهما، فإنني لم أجن منهما مالا يذكر، بل لقد ساهمت في تكاليف نشر “الملك لقمان”.

شاهين: المبدعون هم الأكثر عرضة لمهانة الجوع والعنف


مهانة اللجوء


مع تطور الأحداث في سوريا.. اضطررت إلى مغادرتها نحو عمان لكوني أحمل الجنسية الأردنية، تاركا خلفي بيتا وثروة من فنون الرسم والنحت والتحف لا تقدر بثمن. لم أجد سوقا للفن في عمان، والصالات التجارية أبت أن تقيم لي معرضا.

ومن ثلاثة معارض في صالات غير تجارية لم أبع أكثر من عشر لوحات طيلة عامين. هذا الكم كنت أحيانا أبيع أكثر منه خلال يوم واحد في دمشق.

وجدت نفسي ثانية ألهث خلف الصحافة، وأحاول العودة إلى الأدب. وليس من السهل أن تجد صحيفة تنشر لك. وإن قبلت النشر لا تنشر كل ما ترسله. فهذا مقال أطول من المطلوب، وهذا مقال أقصر، وهذا مقال يخالف الخط التحريري للصحيفة، وهذا مقال عن رواية قديمة والمطلوب أن تكون الرواية جديدة، وذاك عن موضوع خارج اهتمامات الصحيفة، وهذا يمس من الذات الإلهية، وهذا مقال مسروق ولا تعرف من سرقه، إنها دوامة أشبه بلعنة.

خلال سني الرسم وجدت في الأنترنت متنفسا لكتابة ما أريد، وما أراه يعبر عن ذاتي ويحمل ثقافتي ويقدّم فكري كاملا دون نقصان، بما في ذلك فهمي للوجود وموقفي من الخلق والخالق والمعتقدات بشكل عام. وأصبح متابعو كتاباتي يعدّون بالآلاف..

وخلال عامين لم أحصل من الصحافة إلا ما يقارب 800 دينار، وهي ليست أكثر من مصروف شهر خاصة إذا ما تناولت وجبة جيدة مع كأس راح في مطعم.

ما ادخرته من الرسم لشيخوختي نفد معظمه خلال ثلاثة أعوام ونيف من عمر الأزمة السورية، وثمة بقايا نقود في مصرف سوري لا أستطيع الحصول عليها، ولم يبق إلا القليل، مما دفع بعض الأصدقاء والأقارب وأخص بالذكر الأديب الكبير محمود شقير إلى جمع التبرعات لفائدتي، فرجوته إيقاف هذه المأساة، وأخص بالشكر الصديق الشاعر عبدالله رضوان، الذي لم يترك جهدا إلا وفعله من أجلي، بما في ذلك إقامة المعرض الأخير لي. حاولت مع السلطة الفلسطينية منذ قدومي أن أحصل على تقاعد، بصفتي خدمت في فتح بين أعوام 1968 - 1985 ولكن دون جدوى حتى الآن.

إنها أول مرة في حياتي أفكر فيها بجدية في الانتحار، قبل أن أذل وأهان في شيخوختي، وآمل أن أحتفظ بالمبلغ الأخير لثمن المسدس الذي سأنتحر به. من لديه فكرة عن ثمن مسدس يكفي للانتحار؟!!

إن حدث ذلك يا أصدقائي فاطلبوا من المطلق الأزلي “إلهي” أن يجعل من جسدي غذاء مفيدا وجميلا وخلاقا لتربة صالحة، تنتج مادة خلاقة، تنتج عنها طاقة عظيمة تأتي بخلق جديد أقرب إلى الكمال!

14