"أنا تونيا" كوميديا تنبع من قلب المأساة

الفيلم الأميركي يعبّر عن الرغبة في التحقق، وهزيمة الفقر والحرمان والقسوة، والتصدي لعدم الاعتراف الاجتماعي، وعن الصعود الرياضي.
الأحد 2018/03/11
تونيا… لحظة النشوة والتحقق التي تبحث عنها تجدها في خيارها الحالم

“أنا تونيا” I Tonya أحد الأفلام الأميركية الجديدة التي حققت نجاحا كبيرا مؤخرا خاصة بعد ترشحه لثلاث من جوائز الأوسكار هي جائزة أحسن ممثلة، وأحسن ممثلة مساعدة، وأحسن مونتاج.

والطابع العام للفيلم كوميدي رغم أن موضوعه الذي يستند إلى وقائع وشخصيات حقيقية، مليء بالعنف والحزن والأسى. إنه تعبير عن الرغبة في التحقق، وهزيمة الفقر والحرمان والقسوة، والتصدي لعدم الاعتراف الاجتماعي، وعن الصعود الرياضي.

يقوم سيناريو الفيلم، الذي كتبه ستيفن روجرز، على مجموعة من المقابلات أجراها مع تونيا هاردنغ وزوجها السابق جيف غيلولي، وغيرهما، ويروي قصة حياة هاردنغ، من الطفولة إلى الشباب، ومن الفقر والمعاناة والحرمان والتعرض للعنف وفقدان العاطفة، إلى قهر الظروف والصعود في عالم رياضة الرقص على الجليد، تلك الرياضة “الأرستقراطية” في الولايات المتحدة، ثم كيف جاء سقوطها المروع وخروجها من عالم اللعبة نهائيا. لكن تونيا هاردنغ ظلت، حتى يومنا هذا، شخصية مثيرة للجدل: فهل هي مذنبة كما قضت المحكمة التي قررت حرمانها إلى الأبد، من ممارسة رياضتها المحببة، أم أنها ضحية بريئة كان يتعين عليها أن تدفع ثمن أخطاء غيرها؟

هذا السؤال الذي يتضمنه الفيلم ضمن تساؤلات أخرى عديدة تكمن في طياته، يظل حتى النهاية من دون جواب حاسم، لكن رغم ذلك، هناك تعاطف واضح من جانب الفيلم مع شخصية تلك الفتاة، الشابة، الجميلة، المكافحة، ضحية الأم القاسية الشرسة، والأب الذي تخلى عن الأسرة مبكرا وغادر حياة تونيا إلى الأبد، كما يشير الفيلم إلى احتمال أن تكون تونيا ضحية الإعلام الشره الذي لا يرحم المشاهير.

بناء متعرج

لحظة الشعور بالاحباط بعد أن كسرت تونيا حذاءها
لحظة الشعور بالاحباط بعد أن كسرت تونيا حذاءها

من ناحية البناء ينتقل الفيلم من المقابلات المصورة مع أبطال القصة بعد أن انتهت الأحداث بزمن أي في الزمن المضارع الحالي، إلى سرد متعرج للأحداث، ويظهر في المقابلات التي تقطع سياق الأحداث بين وقت وآخر كل من: تونيا، وزوجها السابق جيف، وأمها لافونا، ومدربتها ديان رولينسون، وشون، الشاب الذي عين نفسه حارسا شخصيا لتونيا، والشاب الآخر شاين الذي سيلعب دورا رئيسيا في تدمير طموحات تونيا.

 يتوقف الفيلم أمام مشاهد كثيرة من “العنف المنزلي” الذي تمارسه الأم على ابنتها وهي بعد لم تتجاوز الرابعة من عمرها، فهي تضربها بقسوة وتوبخها. لكن الطريف أن الأم تظهر أمام الكاميرا في المقابلة الحديثة، تنفي قيامها بضرب ابنتها، لتؤكد أنها أرادت فقط أن تجعل منها بطلة في الرقص على الجليد. إنها تدفع بها إلى مدربة محترفة وهي بعد في الرابعة من عمرها، وتصر على تدريبها على هذه الرياضة الصعبة من طفولتها. تكبر تونيا وتقع في غرام جيف، أول شاب يبدي تجاهها مشاعر الحب، لكنه ليس شخصا عاديا مستقيما، فهو يميل للعنف وكثيرا ما يعتدي عليها بالضرب، كما نراه في أحد المشاهد بعد أن تزوجا وهو يطلق عليها الرصاص من بندقية فيصيبها إصابة طفيفة كان من الممكن أن تكون قاتلة. لكن جيف يتطلع إلى الكاميرا وينفي -كما فعلت الأم- أن يكون قد فعل. وهكذا يسير الفيلم في أسلوب أقرب إلى الدوكيو- دراما من جهة، كما يستند من جهة أخرى إلى فكرة كسر الاندماج، لكنه بذلك يحقق أيضا تأثيرا كوميديا، ويجعل المشاهد لا يستطيع التأكد من صحة الروايات المختلفة التي يستمع إليها. مع ذلك، يظل المشاهد واثقا من وقوع العنف، كما أن تونيا نفسها تعبر عن قبولها للعنف بل واستعذابها له أو الاعتراف بأنها كانت “تستحقه”!

يعود الفيلم كثيرا إلى الماضي ثم يرتد إلى الحاضر، وينتقل من ماض إلى ماض آخر أبعد، ومن حاضر مضارع إلى حاضر أسبق، أي أن البناء يوالي الانتقال بين الأزمنة، في بناء متعرج، ينقل إلينا الشعور بالتوتر والتقلب والحدة التي تتميز بها الشخصية الرئيسية في الفيلم بل ومعظم الشخصيات الرئيسية التي تبدو متطرفة في سلوكياتها. لقد ناضلت تونيا طويلا من أجل تحقيق حلمها بالوصول إلى تمثيل بلادها في الدورة الأولمبية عام 1994 في النرويج، وبعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من البطولة وتحقيق المجد الرياضي ضمن البعثة الرياضية الأميركية إلا أنها سقطت، وجاء سقوطها مروعا، بل ومنعت للأبد من مزاولة رياضتها المفضلة التي وهبت لها حياتها.. فهل كان محتما أن تسقط تونيا؟

المخرج يبرع كثيرا في إخراج مشاهد الرقص على الجليد وفي الانتقال من خلال ذلك الإيقاع السريع اللاهث بين مفاصل الفيلم وأزمنته المختلفة

نعم.. فسقوطها هو أيضا إعلان عن فشل فتاة قادمة من أوساط الطبقة العاملة الفقيرة لمنافسة فتيات المجتمع الراقي في إحدى رياضات النخبة. وأميركا الرياضية لا ترحب كثيرا بفتاة تتعارض صورتها مع الصورة الرومانسية المثالية التي يروج لها “الحلم الأميركي”، صورة الفتاة الرياضية الأميركية، المثالية، المهذبة، التي تعرف كيف ترتدي ملابس مناسبة، ولا تتلفظ، كما تفعل تونيا، بألفاظ بذيئة، وهو ما يقوله لها مباشرة أحد المحكمين في إحدى المسابقات. لكن تونيا تقسو على نفسها وعلى الآخرين، تريد أن تتحدى “المؤسسة”، وهي هنا اتحاد رياضات التزلج على الجليد، كما يلعب زوجها السابق “جيف” الذي ظلت مرتبطة به على نحو مرضي للغاية في علاقة من أكثر العلاقات العاطفية غرابة وشذوذا (سادية - مازوشية) الدور الأساسي في تدميرها من حيث أراد أن يخدمها ويدعمها.

في الجزء الأول من الفيلم هناك قفزة سريعة في الزمن عندما تصبح تونيا (وهي في الخامسة عشرة من عمرها) نجمة مسابقة الرقص بعد أن تحقق القفزة الثلاثية الشهيرة في الهواء للمرة الأولى، هذا التحقق لا يسبقه أي مشهد للتدريبات العنيفة المفترض أن تمر بها تونيا قبل الوصول إلى هذا المستوى على غرار تدريبات “روكي” في الفيلم الشهير، بل إنها عندما تعود لممارسة التدريب بعد أن كانت قد فقدت كل أمل لها وأصبحت ترتضي بالعمل كساقية، تستخدم هي نفسها تعبير “طريقة روكي” وهي تدريبات تأتي متأخرة عن موضعها الحقيقي في الفيلم. هناك أيضا استخدام مفرط كثيرا للأغاني التي تشرح وتعلق على كل موقف وكل حدث، بطريقة مباشرة تفقد الفيلم الكثير من جماله ورونقه، فعند ظهور الأم الشريرة نستمع إلى أغنية “إنها فقط امرأة شيطانة”، وبعد أن تحقق تونيا القفزة الثلاثية في الهواء للمرة الأولى كأول أميركية تحقق هذا الإنجاز، نستمع إلى أغنية “كل الناس يصفونني بالفتاة السيئة”.. وهكذا. وهناك أيضا غياب متعمد لإظهار الفتاة المنافسة النقيضة لشخصية تونيا أي “نانسي كاريغان” فهي لا تظهر سوى في لقطات قليلة ومن بعيد، بحيث لا يمكننا تبين ملامحها وحضورها رغم أنها الوجه المغاير لتونيا والمحرض لها على مواصلة التحدي. مقابل هذا الغياب تبرز كثيرا شخصية الأم، السكيرة، وهي تظهر في إحدى اللقطات، تتطلع مباشرة إلى الكاميرا وتقول في استنكار “إنني أوشك أن أختفي من الفيلم.. فلتذهبوا للجحيم”!

مشكلة تونيا الحقيقية تظل دائما هي الافتقاد للحب. لقد عاشت طفولة قاسية مع أمها التي لم تمنحها الحب بل أنفقت كل ما كانت تكسبه من مال على تدريبها وهي بعد طفلة في الرابعة من عمرها لكي تدفعها للنجاح، وهي لا تفتأ تذكرها بهذه الحقيقة، لكن تونيا كانت ترغب أيضا في الشعور بالحب. غير أن سقوط تونيا سيبدأ مع التطرق إلى موضوع “الحادث” في الثلث الأخير من الفيلم. فما هو “الحادث”
 الذي يشير إليه الجميع في المقابلات المصورة؟

المؤامرة

الزوج (جيف) كان دائما يقف وراءها
الزوج (جيف) كان دائما يقف وراءها

تقترب تونيا من الاشتراك في الدورة الأولمبية بالنرويج عام 1994 لكنها تخشى منافستها المتفوقة نانسي كاريغان. وهي تستعين بزوجها جيف الذي طلقته منذ فترة لكي يقف بجوارها كما كان يفعل في المواقف الصعبة، ويعتقد هو أن أفضل وسيلة للتغلب على نانسي كاريغان إرسال خطابات تهديد إليها. جيف يكلف صديقه شون بإرسال الرسائل مع زميلين له مقابل المال من ولاية أخرى لإبعاد الشك. لكن شون، هذا الشخص الباحث عن دور، والذي يصوره الفيلم كشاب يعيش في الخيال، يتصور نفسه خبيرا في مكافحة الإرهاب الدولي، يدبّر بدلا من إرسال رسالة تهديد إلى نانسي، اعتداء عنيفا عليها ينتهي بكسر ركبتها لمنعها من اللحاق بالمنافسة. ولكنها ستتغلب على إصابتها وتتفوق وتحصل على الميدالية الفضية، بينما تأتي تونيا في المركز الثامن. لقد أصبحت الآن متهمة بالاشتراك في جريمة الاعتداء أو على الأقل معرفة ما كان يدبر وعدم الإبلاغ عنه. وفي محاولة منها للإفلات من العقوبة، تشي بزوجها السابق الذي تتم إدانته وسجنه (يصوره الفيلم أيضا كضحية لرفيقيه اللذين لم يخبراه أصلا بفكرة الاعتداء بالضرب بل تصرفا من دون استشارته). وتنتهي المحاكمة بحبس تونيا ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وتغريمها مبالغ مالية ضخمة، والأهم حرمانها من ممارسة رياضتها المحببة، مما يضطرها للعمل في مجال الملاكمة النسائية من أجل الحصول على المال.

الشعور بالحب

في أكثر من مشهد تتحدث تونيا فتقول وهي تخاطب الكاميرا “لقد أردت أن أشعر بالحب ولو لدقيقة فقط”. وقد كان الشعور بوجود من يحبها ولو بشكل مجنون يتجاوز المنطق والعقل، هو الدافع الذي يجعلها تعود دائما إلى جيف ذلك الصعلوك المغامر العنيف الذي حذرتها أمها من الزواج به. لكن تونيا تدرك في النهاية أن الجمهور لا يبحث دائما عمن يحبه بل عمن يكرهه، كما تقول حرفيا. إنها -حسب الفيلم- ضحية التفرقة والنشأة الفقيرة والقهر الأسري والعنف المنزلي الذي يتم تصويره كثيرا باعتباره رد فعل احتجاجيا عنيفا من قبل أبناء الطبقة الفقيرة، وتعبيرا عن رغبتهم في تأكيد وجودهم في عالم الرياضة “الطبقي”.

لا شك أن المخرج يبرع كثيرا في إخراج مشاهد الرقص على الجليد وفي الانتقال من خلال ذلك الإيقاع السريع اللاهث بين مفاصل الفيلم وأزمنته المختلفة. ولا شك أن نجمة الفيلم الأسترالية مارغوت روبي (التي يتذكر الجمهور دورها في فيلم “ذئب وول ستريت”) هي التي تحمل الفيلم على كتفيها بأدائها الفذ المؤثر في الدور الرئيسي. إنها تتماثل وتتماهى بالكامل مع تلك الشخصية في لحظات ضعفها وقوتها وغضبها وتمردها، في شعورها بالنشوة وهي تحقق النجاح في حلبة الرقص، وتتمتع بتصفيق وإعجاب الجمهور، ثم في علاقتها الملتبسة القاسية مع جيف الذي تتبادل معه عنفا بعنف. ويبرز أيضا أداء الممثلة الأميركية أليسون جاني في دور الأم “لافونا”، المدمنة الحمقاء القاسية التي تمارس القمع من دون أدنى شعور بالذنب، وتظل حتى النهاية على قناعة بأنها قدمت الكثير من أجل ابنتها.

لا شك أن جانبا من نجاح الفيلم بصريا يعود إلى ذلك التعاون البديع بين مدير التصوير البلجيكي نيكولاس كاراكاتسانيس، مع خبراء المؤثرات الخاصة، في التوصل إلى حلول بصرية مقنعة ومؤثرة لحركة مارغوت روبي وهي تمارس الرقص بحيث نجح فريق الفيلم في تركيب وجه مارغوت على جسد راقصة حقيقية محترفة، والانتقال بين الصور الحقيقية لمارغوت في الحلبة إلى الصور التي تم تركيبها ببراعة، كما أعادوا تجسيد الحلبة نفسها والمدرجات المليئة بالجمهور بواسطة برامج توليد الصور من خلال أنظمة الكمبيوتر. وهذا الفيلم يعتبر أيضا تجسيدا للقفزة التكنولوجية التي جعلت المستحيل يصبح ممكنا في عالم الخيال السينمائي.

15