أنا قارئ كسول

السبت 2014/11/22

في وقت ما تخليت عن قراءة “مجلتي” و”المزمار” لأني تجاوزت مرحلة الطفولة إلى المراهقة، تعرفت إلى المنفلوطي عبر كتاب الأدب للصف الثالث المتوسط، وسرعان ما قرأت العبرات، والنظرات، وفي سبيل التاج، وماجدولين، ثم امتنعت عن متابعة كتبه أو الحديث عنه لسبب أجهله، لكني خشيت أن أقول إنه كاتب ليس بالخطر، وإن مدرسته الكتابية باردة حتى الخمول، ولا يحسن الرجل سوى رصف جمل جاهزة لا روح فيها، والأدب يعني عندي خلق جمل جديدة، لا رصف عبارات جامدة.

وما إن قرأت في كتاب عبدالفتاح كيليطو “لن تتكلم لغتي” مثل هذا الكلام، حتى انتبهت إلى أنني قارئ كسول! وأنا الذي يملك مئات الكتب، قارئ ومتصفح لها، توصل كيليطو إلى هذه النتيجة بعد أن قدم ما يؤيده في ذلك، فالمنفلوطي الذي يصرّ على وضع صورته وهو يرتدي الملابس الأزهرية على أغلفة كتبه، وهو الرجل الذي لا يحسن اللغة الفرنسية، ومع ذلك فهو يختزل روايات الكتاب الفرنسيين وأسماءهم لينشرها باسمه وبأسلوبه ولغته وبعدد معين من الصفحات بعد أن يترجمها له شخص آخر عن الفرنسية -لا نلبث أن ننسى اسمه- ليست لديه المقدرة على صياغتها بأسلوب أدبي.

ـ وما الدليل على ذلك؟

قرأ كيليطو في كتاب محمد أبو الأنوار “المنفلوطي: حياته وأدبه” (1981) أن المنفلوطي كان مولعا بالملابس الأوروبية، وهي إشارة عرضية، كخبر طريف لم يتوقف عنده الآخرون. وحده كيليطو تفطن إلى “معناه العميق، المأساوي والهزلي في آن، اللباس الأوروبي سرّ المنفلوطي”.

أما أنا فقارئ كسول، أقرأ في كثير من الكتب، وتوصلت إلى ما توصل إليه كيليطو، ولم أستطع أن أكتب ما أشعر به! ولا أملك دليلا ما على ما أزعم، فما السبب في ذلك؟ أهي الطريقة التعليمية التقليدية التي تسوّق لنا الأدب والأدباء في الكتب المدرسية، وغير المدرسية كقيمة أدبية عليا، لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم؟ ولا تشجعنا أن ننظر بوصفنا قرّاء فنكتب ما نشعر به إزاء الكاتب بلا خوف!! أم أن تجار الكتب قد سوّقوا لنا كتب المنفلوطي دون أن يسوّقوا لنا كتبا أخرى تتحدّث ضدّ المنفلوطي أو معه؟ فلم نستطع أن نكوّن صورة شاملة عنه! أم أن النقد الذي تعلمناه نقد سطحي لا يستطيع أن يقرأ غير المستوى السطحي، أم ثمة سبب آخر؟ أفتونا مأجورين.


شاعر وأكاديمي من العراق

17