أنا مسلم ولست إرهابيا وقد أكون شارلي

الأحد 2015/01/18

عندما أصدر السياسي الهولندي فيلدرز سنة 2004، فيلمه «فتنة» ساخرا من الإسلام، هاج المسلمون وتعالت الأصوات مطالبة بمن يردّ على «فتنة» اليميني الهولندي وعلى رسومات “شارلي إيبدو” المتكرّرة، وقبلها الدنماركي كورت فسترغارد، وعلى تدنيس القس الأميركي تيري جونز للقرآن الكريم.

تكرّر الأمر مع عشرات المواقف الغربية المهينة للمسلمين وفي كلّ مرةّ تجوب المظاهرات كبرى مدن العالم وتحرق الإعلام، وقد يصل الأمر إلى مقتل أبرياء من المتظاهرين. ومع كل إساءة للمسلمين، كانت كلّ ردّات الفعل متشابهة وكل الشعارات مكرّرة، إلى أن جاءت “غزوة” شارلي إيبدو، في 7-01-2015، لتشكّل نقطة فاصلة على مستوى الحدث ككل بدءا من طبيعة الهجوم مرورا بعدد الضحايا وصولا إلى ردّات الفعل فتداعياتها المنتظرة.

لم تحرق الأعلام هذه المرّة ولم ترفع شعارات “الموت لأميركا”، بل عوضتـها عبارة “أنا شارلي” المكتوبة بالحبر الأبيض على خلفيّة سوداء؛ حملها الفرنسيون، عن قصد ونكاية في المسلمين، وحملها بعض المسلمين، عن غير قصد في محاولة لإبعاد تهمة الإرهاب عنهم.

مؤكّد أن حادثة “شارلي إيبدو” ليست في مستوى استفزاز فيلدرز وتيري جونس وغيرهما، مثلما هو مؤكّد أن عاصفتها لن تمرّ بسلام. لكن المؤكّد أكثر أن ردود الفعل على الجريمة ستتطوّر لتصبح أخطر من الجريمة ذاتها.

الرسّامون الذين لقوا حتفهم سيخلّدون في كتاب التاريخ باعتبارهم “شهداء حريّة التعبير”. عامل البلدية والشرطي المسلم أكثر ما سينالانه تكريما من زملائهما في العمل ويطويهما النسيان. الجالية المسلمة، والعربية بالأخص، هي من ستتحمّل وزر العملية التي ستجعلها سجينة قوانين اليمين المتطرّف.

لأجل أكثر من مليار مسلم، ولأجل الحرب ضدّ التطرّف، ولأننا ندين الجريمة والإرهاب، قد نجد مبرّرا لمن حمل شارة “أنا شارلي”، بكلّ ما تحمله من لبس وتلاعب. ولأجل ذلك أيضا علينا أن نعيب أنفسنا قبل أن نرفع شعار “أنا شارلي”.

قبل أن نعيب على رسومات “شارلي إيبدو” وتطرّف فيلدرز والقس جونز.. وقبل أن نتبرّأ من إرهاب داعش والنصرة والقاعدة وبوكو حرام.. ونلوم الغرب على الاستهزاء بالمسلمين، فلنبحث على أسباب الأزمة، في الداخل بعيدا عن نظرية المؤامرة وتبريرات الضحية والجلاّد التي نهواها.

بعض أسباب المعضلة تأتي من الداخل، حيث يتم صناعة جزء كبير من الإسلاموفوبيا، أو بالتحديد “العربوفوبيا”؛ عبر خطاب الكثير من “المشايخ” و”الدعاة”. الإسلام اليوم يحتاج إلى خطاب معاصر، لغته حديثة يفهمها الآخر، مسلم أو أجنبيّ، لا خطابا يعمل على استلاب ما تبقى واعيا من العقل العربي.

بعض الدعاة وعلماء الإسلام، حوّلوا مواقع التواصل الاجتماعي إلى “سوق عكاظ” يتبارزون فيها بإصدار أكثر الفتاوى غرابة: “الآثار أصبحت أصناما وجب هدمها، المرأة تحتاج محرما قبل الدخول إلى الإنترنت، يجوز للرجل أن ينفذ بجلده إذا تعرّضت زوجته لهجوم بغية الاغتصاب..” وغيرها كثير من الفتاوى والبدع التي تقدّم للغرب النكتة التي تضحكه علينا وتمدّه بالسبب الذي يجعله يناصبنا العداء والحجّة المبرّرة لانتهاك حرمتنا.

سماء العرب وأثيرهم وشبكتهم العنكبوتية تعج بعشرات الفضائيات والإذاعات والمواقع، التي تدّعي أنها دينية، لكن خطابها تحكمه نظرة شخصية ومصالح ذاتية وفق مذهب أصحاب القناة ورؤيتهم السياسية والطائفية؛ بل إن المتابع لبعض القنوات الطائفية يرى فيها تدنيسا للإسلام أخطر مما نشرته “شارلي إيبدو”، ويتابع أحاديث “إفك” تهدّد بإحداث “فتنة كبرى”.

عوض أن ينصر هؤلاء الدعاة الدين الحنيف يسيئون إلى صورته بجدل فارغ وهرطقات لا طائل منها، حتى أنه أصبح ينطبق على بعضهم القول المأثور “إن الله إذا أراد شرا بقوم ابتلاهم بالجدل وأبطل عنهم العمل”.

نعم، غاب العمل وحضر الجدل، وبسبب هذا الجدل غاب الاعتدال والتسامح وحضرت الأصولية والتطرّف. وبسبب هذا الجدل تمادت “شارلي إيبدو”، ومن هذا الجدل بنت التنظيمات الجهادية عقيدتها وسنّت شريعتها وجنّدت رعيّتها، ومن هذا الجدل نجحت مخطّطات بث الطائفية والفرقة بين أبناء المجتمع الواحد.

بسبب غياب العمل، نرفع شعار “أنا قد أكون شارلي”، في وجه دعاتنا ومشايخنا، عساهم يستوعبون أن مشكلة المسلمين أكبر من فتاويهم الجنسية وخطبهم القروسطية. وبسبب غياب العمل سنضطرّ لأن نضيف إلى جوازات سفرنا وبطاقات هويتنا توضيح “أنا مسلم ولسـت إرهابيا”.

لكن لن نضطرّ، إلى ذلك، عندما يتمّ تحيين الخطاب الديني، ويتحدّث كل من يهمه الأمر، من رجال سياسة ورجال دين، بل وفنانين ومثقّفين، بلغة مجتمعه، لا بلغة من يدين له بالولاء ويموّله.

ولن نضطرّ إلى أن نتجمّل لنخفي ملامحنا التي تشبه ذلك “العربي”، الذي ما فتئت سينما هوليوود، على مدار سنين طويلة، تصوّره على أنه “أعرابي” يركب الجمال ويسكن الخيام وشغوف بالنساء والجنس، شرط أن نكون قادرين على إنتاج عمل سينمائي قادر على تجاوز عقدة فيلم “الرسالة”.

وحين ينتهي الجدل ويبدأ العمل لن نرفع شعار “أنا شارلي”، ولن نخرج في مسيرات “كفّارة يمين” بسبب إرهاب داعش والقاعدة؛ والـ50 زعيما الذين تظاهروا في باريس تضامنا مع ضحايا “شارلي إيبدو”، سيخرجون في دمشق وبغداد والقاهرة وطرابلس والقدس، وشعارهم “أنا أعرف أنك مسلم ولست إرهابيا”.

6