أنا مش كافر

الخميس 2014/11/06

في مقطع من رواية “طائر الحوم” لحليم بركات، كان السارد يستمع لموسيقى “فاغنر”، وفجأة انخرط في حديث مع جارته في رحلة الطائرة إلى واشنطن منشغلا عن موسيقى هذا المؤلف العالمي الرفيع، لم يتوقع ردّها المنفعل، كان انطباعه طفوليا بدون اشتراطات، حين فاجأته الانتفاضة المباغتة للمرأة العجوز التي حاكمت فاغنر بالمذهب النازي الذي اعتنقه.

يحيلنا هذا المشهد على فقرات فكرية عديدة في التحليلات الفلسفية المعاصرة استندت لاجتهادات “هايدغر”، مع تجاهل صادم لانحيازاته الإيديولوجية إلى الخندق النازي. بالتأكيد ستتوالد في الصفوف الليبرالية النقيضة للعقائد الفاشية أدبيات تسعى لتسفيه “هايدغر” وإدانته، لكنها لن تحظى بالرسوخ الفكري، لأنها كانت تسعى إلى محو الأثر العميق لهذا الفيلسوف عبر الخطيئة السياسية، كانت في العمق مجرّد سجالات للون الذي اكتساه الرأي والمذهب، لا تفنيدا للأساس الفلسفي، في مرحلة اعتبرت الفلسفة المعاصرة تجاوزا للميتافيزيقا والنزعات اللاإنسانية الكلاسيكية، وكنا هنا في العالم العربي، لا نستسيغ أن نقرأ -كباحثين لا ننتمي إلى الفضاء الأوروبي- تلك المحاكمات البعدية للفكر الوجودي، من حيث هو خلاصة لحروب تجاوزت اشتراطات اللحظة، علما أن هذا المحيط العربي ذاته الغارق في رؤيته الدينية الحاجبة للألوان المعرفية، هو من سيحوّل فلسفات “فرويد” و”ماركس” لسنوات طويلة من منظومات معرفية اسثنائية في الفكر الإنساني إلى مجرّد مكائد يهود خبثاء.

أستعيد الآن تلك المحاكمات السياسية والأيديولوجية لنجيب محفوظ ما بعد معاهدة “كامب ديفد”، حوّل روائيا حقيقيا إلى مجرّد مناصر لمعاهدة السلام، ستمضي سنوات من الإهمال لنصوص مؤسسة في الرواية العربية، قبل أن يتهافت النقد العربي نفسه على نصوص “نجيب محفوظ”، حين حصل على نوبل للآداب. هذه الشيزوفرينيا حوّلتنا إلا مجرّد مبتدئين أمام العالم.

لم أكن شيوعيا يوما ما، لكني عشقت أغنية زياد الرحباني: “أنا مش كافر” لأنها كانت نصا منصفا لعشرات الفقراء، وضحايا السياسات العربية الفاشلة، ولأن زياد المرفه، الأنيق، انحاز للجوعى، المأخوذين بجريرة الأيديولوجيا، لهذا لن أشتم اليوم “زياد الرحباني”، مهما أوغل في تبييض صفحات حزب “بعث” مهترئ، ومهما استدرجنا وهو العلماني إلى افتراض عبثي مفاده أن لله حزبا مقاوما استبدل الجنوب المواجه للجليل المحتل، بحلب وحمص وغوطة دمشق. لن أشتمه فقط لأني لم أقتنع يوما بأنه رجل سياسة، هو ذلك العازف العبقري على البيانو الذي سكنت معزوفاته وجداننا، ولأنني لا يمكن أن أتخيّل السيدة فيروز بامتداد مبتذل.

كاتب من المغرب

15