أنا مصطفى خزندار.. إلا قليلا

أمر آخر في غاية القلق والإرباك والاكتئاب، وهو أني سأرافق السيد الوزير في كل تنقلاته وزياراته، أحضر العروض التافهة مبتسما دون تثاؤب، أجوب أنحاء البلاد مدنا وأريافا، للتأكيد بأني مع “لا مركزية المسرح”.
الثلاثاء 2020/01/07
لا مركزية المسرح

حين علمت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي بخبر نية ترشيحي لإدارة المسرح الوطني، سألت فورا عن الميزانية المرصودة لهذه المؤسسة العريقة في تونس. وعندما عرفت أنها تضاعفت بشكل مغر، بات الرقم مربكا، ومخيفا في مخيلتي. وعدت أصدقائي والمقربين مني بهبات مالية على سبيل المساعدة والمحاباة. ارتبكت في توزيع الحصص، ووجدتني مجبرا للاعتذار من بعضهم، ذلك أنهم كثيرون و”أنا كريم وهم يستاهلون” لكنّ أحلامي أكبر من كرمي.

لا يهم، مادام أني سأكسب أصدقاء ومناصرين كثيرين، وكذاك خصوما وأعداء. عينت موظفين حولي من الأكفاء وغير الأكفاء.. إلى درجة أني بدأت بعزل بعضهم بسبب كثرة الوشايات وغياب الكفاءات.

اختلفت مع زوجتي بسبب السكرتيرة التي سوف أعينها في مكتبي، والذي سوف يضم بالتأكيد، عناصر من أقربائها ككل فاسد فهلوي، متمكّن ومطواع.

بدأت المشكلات تظهر لدي مثل الفطر، فهذا موظف يريد حصته من تلك الصفقة، وذاك مخرج تافه يطلب دعما محترما لمجرد أنه ساندني وتستّر على هفواتي، أمّا هذا المستشار الأبله فيريد مرافقتي في كل جولاتي الخارجية بقصد اختيار العروض في المهرجانات.. من قال لك يا أخي إني مسافر لاختيار العروض؟ دعني وشأني، أنت وآمر الصرف الذي لا يوقّع شيكا إلا باقتناص مبلغ منه.

أمر آخر في غاية القلق والإرباك والاكتئاب، وهو أني سأرافق السيد الوزير في كل تنقلاته وزياراته، أحضر العروض التافهة مبتسما دون تثاؤب، أجوب أنحاء البلاد مدنا وأريافا، للتأكيد بأني مع “لا مركزية المسرح”، وأسمح لأي نص مسرحي مبتذل بالظهور، وذلك للقول إني شخص لا يقصي أحدا في بلاد ديمقراطية.

سوف أضطر لفعل ما لا أريده ولا تسمح به تربية أبي، كأن أنتقم من أسلافي الذين أقصوني، وأهينهم كما أهانوني.. وأقول للسكرتيرة التي أحب أردافها “قولي لهم إني غير موجود”.

إن أصبحت مديرا يسعى أن يكون نزيها، فسوف أنحرج من إعطاء فرصة لابني الموهوب في عمل مسرحي، بذريعة أني لست فاسدا، وأحرم نفسي من إنتاج عمل كنت أحلم بإنجازه، وذلك تحت راية الحياد وإنكار الذات.

عانقني الكثير من المتملقين والمتزلفين في بلادي، حين علموا بإشاعة تعييني مديرا للمسرح، دعوني إلى ولائم عامرة، حتى أني اقترضت منهم أموالا.. ما أروع أن تكون أمنية مؤجلة التحقق.

.. لذلك، وبعد كل هذا الإنجاز، قررت أن أستقيل من إدارة المسرح وأضعها غدا، على طاولة الوزير، بعد أن قصدت “مكتبي” هذا الصباح ووجدته مقفلا.. بالمناسبة.. مبنى إدارة المسرح الوطني في تونس، هو مقر وزارة مصطفى خزندار، واحد من أكبر أمراء الفساد في تاريخ البلاد.

24