أنا والربيع وخالد

خط خفيّ وأحمر اللون يبدو أننا تمكّنا من نصبه وبحرفية عالية كل منا على طريقته وعلى حدة وعبر السنوات، ويفصل ما بين مراهقتنا التي لم ولا يبدو أنها ستنتهي.
الجمعة 2018/03/30
التشكيلي السوري خالد تكريتي والجانب المضيء في لوحاته

قبل عدة أيام كنت جالسة في مقهى اكتشفته حديثا، مقهى ملوّن وليس فيه أزهار بلاستيكية، بل حقيقية. كنت أتأمل في هذا الوجود وبما آلت إليه أفكاري حول حضوري في هذا العالم.

ونتج عن هذا التأمل أن اتصلت بك عبر الفيسبوك وطلبت منك أن ترسمني كمراهقة أبدية، كنوع من التصالح مع حقيقة لم أستطع من ناحية تغييرها ولم أرد تبنيها من ناحية أخرى، فضحكت كثيرا وعرفت لحظتها أنك فهمت تماما ماذا قصدت.

التقينا بعد عدة أيام وكان “الخط الأحمر” هو الخط الاستثنائي الملامح والتأثيرات الذي جئنا على ذكره فجأة، فاسترسلنا طويلا في الحديث عنه في مرسمك البيروتي الذي يعجّ بأغرب وأجمل لوحاتك السابقة منها والجديدة.

خط خفيّ وأحمر اللون يبدو أننا تمكّنا من نصبه وبحرفية عالية كل منا على طريقته وعلى حدة وعبر السنوات، ويفصل ما بين مراهقتنا التي لم ولا يبدو أنها ستنتهي، والقيام بأفعال واتخاذ مواقف متلائمة مع الجانب السطحي منها، هكذا جنّبنا “مراهقتنا المستمرة” من التحوّل إلى حالة مرضية لا جانب مضيء فيها.

تساءلت بعد هذا اللقاء، كيف يكون ذاك الخط أحمر اللون وغير مرئي في الآن ذاته؟ وصلت سريعا إلى استنتاج مُقنع، وأعتقد أنك ستتبنّاه أيضا: لا يمكن لخط من هذا النوع ألاّ يكون إلاّ خفيا، وإلاّ لكانت حمرته قد حدّدت موقعها وأهدرتها التجارب الحياتية القاسية، إذا، هنيئا لنا يا خالد، الحمرة واللامرئية وربيع دائم استطعنا أن نرعى براعمه في الوجدان.

للفنان التشكيلي السوري خالد تكريتي لوحة بعنوان “الخط الأحمر” يبدو فيها رجل جالس ومُعلق في فراغ رمادي اللون، يتوسّط وجهه وعلى مستوى العينين خط أحمر رفيع تقف عليه نسخات مُصغرة منه، كما تقف الطيور على الأسلاك أو دقائق أغصان الأشجار.

قد تكون هذه اللوحة جانبا من تظهير لكيف استطاع الفنان أن يحافظ على “براعمه” وتوازنه في عالم يغصّ بلون الرماد.

التقينا أنا وخالد لأول مرة في ربيع باريسي سنة 1979، كنا آنذاك في مراهقتنا الأولى، أنا في الثالثة عشرة من عمري وهو في السادسة عشرة، جمعنا إعجاب طفولي أقلق حينها ومن دون أي سبب فعلي أمهاتنا.

في تلك الفترة من الزمن كان أهلي قد اختاروا البقاء في باريس، ولكن والدي قرّر بعد عدة أشهر العودة إلى لبنان على اعتبار أن “الحرب على وشك أن تنتهي”، كم كان مُخطأ حينها لأن الحرب اللبنانية لم تكن قد بدأت بعد ولم تبدأ بعد مآسيها التي حفرت عميقا في الوجدان دون أن تميته أو تطفىء ألوانه.

بقينا على اتصال ربما لعدة أشهر لينقطع تواصلنا بعد ذلك، حافظت خلال السنوات على صورة فوتوغرافية جمعتنا ورسالة منه كتبها بخطه قبل زمن الرسائل الإلكترونية، لكنني لم أعد أعرف شيء عن أخباره، ولا هو، إلاّ بعد 38 سنة، حينما أقام معرضا فنيا في صالة “أيام” في مدينة بيروت، حينها عرفت أنه أصبح فنانا تشكيليا.

المفارقة الأولى كانت أنّني أصبحت بدوري فنانة تشكيلية ولي كتابات في عالم التشكيل، أما المفارقة الثانية فتكمن في أن معرضه هذا حمل عنوان “سأعود مراهقا”.

دخلت إلى الصالة وأنا أبحث عنه بعيني وما كادت عينانا تلتقيان حتى تعرفنا على بعضنا البعض، لحظة ملوّنة في معرض ملوّن في فصل ملوّن والأهم من كل ذلك في عمر لم يتخلّ عن ألوانه ولا يزال يرى الوجود حالة مغسولة بعطر الورد وإن لوّحته خيبات لا تحصى وإن كانت تُعدّ.

خلال لقائنا الأخير، الذي لن يكون الأخير، إنشاء الله، رسمني خالد في ثلاث لوحات صغيرة الأحجام، قال لي أنها تمثلني في ثلاث مراحل عمرية، ربما اختصرت 38 عاما من الغياب، وعندما فرغ من رسمها وسمح لي بالنظر إليها ابتسمت وقلت في نفسي”ألم ير خالد أن هذه الثلاثية لا تمثّل إلاّ مرحلة عمرية واحدة هي.. المراهقة”.

17