أنا والمدن

الأربعاء 2017/05/03

أحب المدن وأحب العيش بالمدن، وبخاصة العواصم، وأحب زيارة القرية والاستمتاع بالطبيعة. فالعيش بالمدن الكبيرة يمنحك عالماً رحباً من الثقافة؛ المكتبات والمسرح وفن العمارة والإرث القديم والتاريخ المادي وأماكن اللقاء من المقهى إلى المطعم وانتهاءً بالنادي، فضلاً عن الندوات الدائمة حول الفكر والأدب.

المدينة هي الجامعة بكل حيويتها وجمالها وشبابها الدائم. في المدينة لا تحس بالزمن، وتستطيع أن تكون مشغولاً دائماً.

أحب من المدن تلك التي عشت فيها وعلى رأسها دمشق فضلاً عن دبي والقاهرة وسانت بطرس بورغ- لينينغراد. وهي مدن ذات مكانة عالمية ولا شك. ولكل مدينة من هذه المدن مكانة خاصة في نفسي.

حبي لدمشق هو حب الهوى ولا أبالغ إذا ما قلت بأني مشيتها على قدميّ. أعرفها شارعاً شارعاً، حارة حارة، أحفظ تاريخها عن ظهر قلب، دمشق الأرصفة والكتب، والمكتبات، والمعرض ومعارض الفن التشكيلي من الرسم إلى النحت. ذكرى العشق واللهو والفرح. كنّا نستقوي بدمشق على الجامعة الحاكمة في دمشق.

حين ودعت دمشق التي لم تعد في طاقتها تحمل الاستقواء بها على جلاديها الكارهين لها والهجّائين ودعت أم المدن وكنت أعلم بأن فراقنا سيطول. ودعتها إلى دبي. ما إن استقر المقام بي في دبي التي شعرت فيها بالأمان المادي والروحي حتى انفجر قلمي كما لم ينفجر من قبل، مدينة تكثف كل تقدم الحياة الكونية بعمارتها وتنظيمها والأمان الذي تمنحه لساكنيها وتجعل ملايين الناس من عشرات البلدان والقوميات والأقوام عائشين باعتراف دون أية مظاهر عنصرية. في دبي تعيش دهشة ولادة مدينة عالمية بوقت لا يتجاوز نصف المطلوب ومازالت تولد كل يوم.

أما القاهرة التي عشت فيها فتراتٍ متقطعة فهي المدينة التي تقرأ فيها كل تاريخك القديم والوسيط والحديث والمعاصر، مدينة تشعرك بالألفة وحب الحياة وتشعرك بأن الزمن لا يكفي لتتعرف عليها. في القاهرة أنّى اتجهت تجد آباءك من المفكرين والشعراء والفنانين، من كتاب الموتى إلى زكي نجيب محمود تدخل متاحفها ومكتباتها العظيمة ومقاهيها التي تشعرك بالألفة مع أهلها الطيبين وتمر على نيلها وتحس كل مرة بأنك تراه للمرة الأولى.

وفي مدينة سانت بطرس بورغ ما زالت السنوات الخمس التي قضيتها في هذه التحفة الفنية حاضرة في وجداني بجامعتها الأعرق، بكل تراثها الجميل وجسورها الخلابة وشوارعها العظيمة المرصعة بالتماثيل، بمكتباتها التي صارت زياراتها طقساً يومياً، بأهلها وأدبهم الأرستقراطي الجم. تعيش المدينة فتمر على البيوت التي عاش فيها بوشكين والساحة التي شهدت مقتله، تعيش عالم دستوفسكي ولياليه البيضاء.

ي سانت بطرس بورغ ترافقك الدهشة حيثما ذهبت من فن عمارتها الذي يعود إلى القرنَيْن الثامن عشر والتاسع عشر، تندهش بمدينة بدأ بناؤها عام 1703 وأصبحت خلال فترة قصيرة أجمل مدن العالم.

أما المدن التي زرتها وأخذت بلبي فهي روما وباريس ولندن وكامبريدج والجزائر والرباط، في هذه المدن لا يمكنك إلا أن تتمنى العودة إليها دائماً لتسد نقص ما فاتك من المعرفة والمتعة التي يمنحك إياها إرثها الجمالي وتاريخها العظيم.

في المدينة تدرك معنى الحضارة التي لولاها ما كانت الحضارة أصلاً، تعرف كيف يصبح الإنسان فيها فرداً مستقلاً، وكائناً واسع الحياة والعقل والقيم والنفس. لكنك تتعرف أيضاً على بؤسائها الذين لا يستطيعون فيها العيش الكريم والتمتع بعالمها الرحب والجميل. تتعرف على بذخ أغنيائها وتفاوت سكانها الطبقي فيولد في ذاتك حب العدالة والإنصاف والنزعة الإنسانية. وربما تخلق مشكلات المدينة حساً رومنسياً عند بعض البشر يدعوهم للعيش في الريف الهادئ، وأنا لست من هؤلاء.

ولكن ما يدعو إلى السخرية أحياناً أن تجد هجائين للمدينة من شعراء يعيشون فيها وهم يحتفظون بذهنية الأمكنة التي جاؤوا منها. وظاهرة كهذه تستحق الدرس ولا شك.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14