أنا.. و"فيروز" وعم الحاج

رنَّ جرس الشقة ظهراً، فتحت الباب، فإذا بـ”الحاج” في وجهي، دخل مهرولاً كـ”مخبر” آداب يبحث عن الأدلة في الغرف والدواليب وعلى الأسرّة وتحتها.
السبت 2018/09/08
لوحة: إبراهيم بريمو

لا عاقل إلا ويحب “فيروز”.. لكن الاسم كان كفيلاً بتوريطي في مأزق عائلي مع “عم الحاج” شديد الصرامة، الذي وافق على التحاق ابنه الأكبر بكلية الإعلام، ليتعلم في “مصر” ربما يكون صحافياً ويرفع رأسه مستقبلاً.

ابن الـ18 عاماً، كان مزهواً خاصة بعد أن التقى عملاق الصحافة الراحل مصطفى أمين، في مكتبه بأخبار اليوم، باعتبار صلة قرابة بعيدة نسبياً، وأهداه نسخاً من سلسلة كتبه “سنة أولى سجن” وغيرها ممهورة بتوقيعه، ولا يزال يحتفظ بها حتى اليوم.

في “سنة أولى دراسة” كنت أقطن منفرداً في شقة بحي “ميت عقبة” الشهير، قرب نادي الزمالك، وبحثت عمن يشاركني فيها استئناساً وتوفيراً، فتعرفت على طالب بلدياتي يدرس الفنون التطبيقية، سكن معي.. اسمه “فيروز”، في ذلك الوقت كان ابن خالي المجنّد بالجيش يأتي لزيارتي، فكنت أفرح فرحاً لا يعكره إلا أنه كان “يستلف” مني نقوداً لا يردها أبداً، ولأنه لا يملك إلا الزي العسكري، فلا مانع من استعارة قميصي وبنطلوني عندما نخرج للفسحة، وحدث أن طلب مني نقوداً كالمعتاد، فاعتذرت رافضاً، لأن كل ميزانيتي الشهرية عشرة جنيهات أعيش بها أكل وشرب وإيجار ومواصلات.. فكان “خازوقه” الكبير خاصة بعد أن رآني أنزل من تاكسي أصرت إحدى صديقاتي بالكلية بعد فسحة ما على إيصالي لمنزلي في طريقها فاشتعل غيظه.

في زيارته للبلد، ذهب للسلام على عمته (أمي طبعا) فسألته عني، لينتهز الفرصة ويرمي كرة النار، قائلاً ببراءة: الحمد لله بخير.. ويسكن مع “فيروز”! لتقوم القيامة.. سرعان ما أخبرت “عم الحاج” الذي عمل بقول الشاعر حافظ إبراهيم “إنشال وانخبط”، فقد ظنَّا أن فيروز هذه “امرأة” وأن “المفعوص” الذي أرسلوه ليتعلم في القاهرة، قد فسق وفجر ووقع في يد بنات “البندر”.

بعد أيام، رنَّ جرس الشقة ظهراً، فتحت الباب، فإذا بـ”الحاج” في وجهي، دخل مهرولاً كـ”مخبر” آداب يبحث عن الأدلة في الغرف والدواليب وعلى الأسرّة وتحتها، وفي الحمّام والبلكونة وأنا لا أفهم شيئاً، حتى اقترب المساء، أنقذني زميلي حاملاً أدواته، تصافحا فعرفته بوالدي: مهندس فيروز معي بالسكن. فتح “الحاج” فمه: ماذا تقول؟ فأعدت الاسم عليه، تنهد ساخراً وسأله: ألم يجد أبوك اسماً آخر غير “فيروز”؟ فاكتفى زميلي ـ وهو الآن دكتور بإحدى الجامعات ـ بضحكة خجولة دون تعقيب، فأردف ضاحكاً: عندما ترى أباك.. سلم لي عليه، وقل له “الله يسامحك.. جرجرتني من آخر الدنيا”، ثم التفت لي بارتياح: ..وأنت يا شُبهة يا ابن الـ(……..) اعمل لي شايا.

24