"أنا يقظ" تطالب بإعلان حرب حقيقية على ملفات الفساد

تفشي الفساد عاد ليحظى بنصيب هام من اهتمامات الشارع التونسي والأطراف السياسية والمدنية، وذلك على خلفية كشف ملفات جديدة شملت عددا من منظمات المجتمع المدني ومؤسسات عمومية. وترى منظمة “أنا يقظ” أن محاربة الفساد لا يجب أن تقتصر على البعض من الإجراءات الترقيعية، مؤكدة على ضرورة توفر إرادة سياسية.
الخميس 2016/10/27
الفساد يطال العديد من القطاعات

تونس - طالبت منظمة “أنا يقظ”، غير الحكومية، بضرورة إعلان حرب حقيقية على الفساد المالي والإداري في تونس الذي نخر مؤسسات الدولة والقطاع الخاص على حد سواء وعدم الاكتفاء بالبعض من الإجراءات الترقيعية، مشددة على ضرورة توفر إرادة سياسية قوية والانتقال من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى مواجهة الظاهرة التي استشرت خلال السنوات الخمس الماضية بشكل مفزع.

ويأتي ذلك في وقت عادت فيه ظاهرة تفشي الفساد لتستحوذ على اهتمامات القوى السياسية والمدنية وغالبية اتجاهات الرأي العام على خلفية كشف ملفات جديدة شملت عددا من منظمات المجتمع المدني ومؤسسات القطاع العام، إضافة إلى ارتفاع منسوب الرشاوى التي تفرض على مواطن مقابل خدمات إدارية.

وعلى الرغم من أن مكافحة الفساد تتصدر اهتمامات الحكومة وتعتبر من الأولويات في عملها، إلا أن منظمة “أنا يقظ” ترى أن الاهتمامات تكاد لا تتجاوز الخطاب الرسمي والبعض من القرارات التي لا تعكس تطلعات التونسيين إلى خطة استراتيجية تجتث شبكات خطيرة أصبحت تهدد تونس دولة ومجتمعا.

وقالت هندة فلاح، منسقة منظمة أنا يقظ لدعم وإرشاد ضحايا الفساد لـ”العرب”، إن المنظمة “تعمل على بحوث استقصائية في مؤسسات القطاع العام والخاص ووقفت على نتائج كارثية بعد أن كشفت أن ظاهرة الفساد تحولت إلى ظاهرة خطيرة تنخر مؤسسات الدولة والشركات وحتى المنظمات الوطنية”.

وشددت فلاح على أن “أنا يقظ” قررت الانتقال من “التحسيس والتوعية وفضح شبكات الفساد وإلى انتهاج أسلوب المواجهة المباشرة من خلال فتح ملفات مختلف الجهات التي تفشى فيها الفساد في مسعى للضغط من أجل إعلان الحرب على أي جهة أثبت الاستقصاء أنها مورطة في قضايا فساد مهما كان نوعها”.

ووفق معطيات استقتها “العرب” من منظمة أنا يقظ تم تحديد أربعة ملفات فساد كبرى في مرحلة أولى على أن تكشف الجهود على ملفات أخرى.

ويتعلق الملف الأول باستشراء الفساد والرشاوى في مؤسسات الدولة، ما أدى إلى نخرها من الدخل، إذ أصبح المواطن مجبرا على دفع الرشوة لا فقط في ما يتعلق بالصفقات العمومية بل وأيضا في ما يتعلق بخدمات إدارية تعد من حقوقه مثل استخراج أبسط الوثائق، إضافة إلى المحسوبية والمحاباة في الوظيفة العمومية من خلال الانتدابات أو الترقيات المهنية.

ويتعلق الملف الثاني، وهو لا يقل خطورة، بقطاع المحروقات إذ أكدت فلاح على أن شركات البترول تحولت إلى بؤر فساد من خلال عقود تحوم حولها عدة شبهات خاصة وأن عددا من الصفقات تتم لا بناء على قوانين واضحة وإنما بناء على وساطات وفي أغلب الأحيان تستفيد منها ماليا إطارات في الشركات.

ويتعلق الملف الثالث بغياب شفافية المعاملات المالية في البنوك، سواء منها التابعة للقطاه العام أو التابعة للقطاع الخاص، حيث كثيرا ما يرفض المسؤولون تقديم معطيات دقيقة وبيانات واضحة عن طبيعة المعاملات منها القروض التي تصرف تحت عناوين مختلفة غير أن الواقع يثبت أنها تتم إما تحت ضغط جهات معينة وإما عبر الوساطة والمحسوبية.

أما الملف الرابع، فإنه يتعلق بالمنظمات الوطنية وهي منظمات يفترض أن تتحلى بالشفافية والنزاهة نظرا لدورها الوطني غير أن عددا منها بات يمثل جزءا من ظاهرة الفساد منها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أثبتت البحوث الاستقصائية التي أجرتها “أنا يقظ” أنه متورط في العديد من الممارسات الفاسدة تشمل الرشاوى والتدخلات غير القانونية.

وشددت هندة فلاح على أن “وقوف أنا يقظ على حجم تفشي الفساد في المجالات الأربعة وإن كان قد نخر مؤسسات الدولة بشكل أخطر، فقد دفع بالمنظمة إلى انتهاج سياسة المواجهة المباشرة أي تسمية الجهات الفاسدة من أجل ممارسة ضغوط أكثر من أجل وضع حد لهذه الظاهرة التي أصبحت كارثية”.

وأقرت فلاح لـ“العرب” بأن المنظمة تتعاون مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي يرأسها شوقي الطبيب، غير أنها لاحظت أن الهيئة كثيرا ما تكتفي بخطاب عام وتتجنب تحديد الجهات المتورطة في قضايا الفساد بالاسم.

ويقول خبراء في الحوكمة الرشيدة إن ملفات الفساد التي تؤرق التونسيين وتنخر كاهل الدولة، والتي يفترض أن تكون شفافة، لم تحظ إلى حد الآن بالحزم اللازم رغم خطورتها على أبسط حقوق المواطن.

وذهب شاكر المزوغي، الخبير الدولي في مكافحة الفساد إلى حد القول، إن “الفساد أصبح خاصية من خصائص الحكومات المتعاقبة بعد أن تسلل إلى مفاصل مؤسسات الدولة”، مشيرا إلى أن “ممارسة الفساد سواء من قبل الفاسدين أشخاصا كانوا أو مؤسسات أو من قبل المواطن، أضحت يومية وبشكل عادي ولا تصدم أحدا، وهو ما يستوجب مقاومتها اجتماعيا وثقافيا وقانونيا”.

4