أنبياء ودجالون

الأربعاء 2014/01/15

في لحظة فارقة من سبعينات القرن الماضي، لجأ لبيروت، من شتى البلاد العربية، خارجون استثنائيون، على أنظمة التسلط؛ شعراء ضاقت بهم المنابر، ومسرحيون لفظتهم المسارح، وقصاصون هامشيون، وروائيون أخطأتهم رصاصات الغدر، ونقاد وباحثون سدت في وجوههم الجامعات والصحف… كانت بيروت حضنا حانيا يجمع كل من ولدوا، في غير مكانهم الصحيح، تحت أعطاف أجنحة بيضاء.

بيروت، بلد الحرب اليومية، لم يكن ريشها مقلما، كانت حرة وكريمة، (من الكرم والكرامة معا). حينها لم تكن الكلمة تقاس بمعيار الشدة واللين، ولا الحسن والقبح، كان وزنها بقدر ما تسيل من دم بالداخل العميق، كانت مبضعا يشرح جثة العربي المريض الذي ما لبث سقمه يتفاقم، حتى بات وباء مقيما اليوم. ورثنا الجثة إذن، دون مبضع الجراح، أفلحت سنوات التدجين الذاتي في إنتاج جيل ممسوخ المعالم، لم تعد الكلمة بين يديه جمرة لاسعة، ينوء بحملها، أضحت شلال حروف تبحث عمن يملأ بها جداول الكلمات المتقاطعة… ، أقول هذا وفي ذهني مئات النوازل عن كتبة رهنوا كل ما لديهم من مدخرات لتلفيق كتب على عجل، تهدر جبالا من المعاني المتصلة بالكتابة التي تحيي، وتلك التي تقاوم الموت؛ تصطنع لنفسها مشتلا ضيقا لاستنبات الزرع الفاسد، وتهجين الجذوع ميتة.

هكذا ملئت جدران المدن بآلاف الملصقات البلهاء، عن أعمال لم يقرأها أحد، ورصفت مئات الكراسي، لتبقى فارغة، في نواد مهجورة، ومكتبات زائفة… ولذلك بات من الطبيعي أن تجد اليوم في عالمنا العربي من يكتب رواية أو ديوان شعر في شهر، وينشره في أسبوع، ويتقدم به لأكثر من جائزة مرتجلة في يوم، ويعمم خبره عبر شبكة الأنترنيت في دقائق، وقد يتوج في النهاية من مقبل لجنة شهود زور، أنفس ما لديهم حرف دال يسبق أسماءهم.

وفي النهاية تجد أن القصد هو إفقاد الجماليات جوهرها الإنساني وقيمتها الرمزية، جعلها نائية عن نسغها الأثيل، أي أن تصير قناعا، لا وجها لحقيقة، رونقا مخاتلا، يتوسل به صاحبه إلى اكتساب وجاهة زائفة، لا ترميم وجدان مشروخ، والصمود أمام دفقات زمن احتلال جديد، قواته الغازية آتية من الداخل، من ظلام الماضي. هو إذن مظهر جديد لذلك الجهاز القمعي البليد التي سلطه الديكتاتور في مرحلة ما للفتك بالمبدعين الحقيقيين، لكن هذه المرة، وبما أن الزمن غير الزمن، صار من الأسهل تعويم العملات النفيسة في سوق الأوراق الزائفة، بحيث يتحول البلد الذي ينتمي إليه الكاتب، والمدينة التي يأنس لأزقتها ومقاهيها ونواديها ومكتباتها، هي نفسها محيط اغترابه، ومنفاه الداخلي القاتل.

أستحضر هنا مفهوما طريفا صاغته الناقدة “شيرين أبو النجا”، بالغ الدلالة على هذا الوضع، هو “الغيتو الأدبي”؛ أي تلك الدائرة المسطحة من العلاقات الطفولية بين كتبة غير متحققين، مع شبكة من محترفي الخدمات النقدية المتنقلة، حيث تكون الغاية هي تلقّف كل مطبوع جديد، لأي ساع لشراء لقب إبداعي، وتلفيق ندوة عنه على عجل، يتحدث فيها ناقدان أو ثلاثة، مستعملين معجما تفسيريا يقول كل شيء ولا يقول شيئا، بدون طعم ولا لون لا رائحة.. ثم ترتيب حملة دعاية عبر برامج التواصل الاجتماعي في الانترنيت، ثم الانتهاء من الموضوع بحفل عشاء على نفقة الكاتب المفترض.

بطبيعة الحال الشيء الغائب في كل هذا الضجيج، من الهرولة اللاهثة، هو “المعنى”، الذي قال بصدده، ذات يوم، “إلياس خوري” في مقطع جارح من كتابه “زمن الاحتلال”: “إن الأساسي يبقى هو إصرارنا على أن نكون أبناء تجربتنا وزماننا، إصرارنا على أن نكون شهودا حقيقيين، نأتي إلى كلماتنا دون ادعاء ودون كبرياء مصطنعة، نحن مجرد كتاب، أي لسنا أنبياء ولا سحرة”.


* كاتب وناقد من المغرب


14