أنتسيرابي في مدغشقر شاهدة على فصل من الذاكرة التاريخية للمغرب

تحتفظ الذاكرة المغربية بتفاصيل النضال ضد المستعمر بالوثائق والشواهد وحتى الروايات، فهي جزء من الحاضر رغم مكوناتها التاريخية في المغرب وخارجه، ومازال المغاربة يتذكرون فترة نفي الملك محمد الخامس وعائلته في مدغشقر إبان الاستعمار الفرنسي، وخير شاهد على تلك الفترة فندق “لي تيرم” في مدينة أنتسيرابي التي لا يزال البعض من سكانها يروي علاقة الملغاشيين بالملك المنفي في الخمسينات من القرن الماضي.
الثلاثاء 2016/11/29
زيارة بعبق التاريخ

هناك لحظات وأماكن ترسم تاريخ الشعوب وتعبر عن ملامحها الحقيقية وتستمر في الذاكرة الجمعية غير عابئة بالأزمنة والأمكنة، عابرة كافة الصعوبات، فعندما كان المغاربة يقارعون المحتل الفرنسي بكل ما أوتوا من قوة وإرادة وصمود، كان السلطان محمد الخامس يتابع من منفاه في مدغشقر كل تفاصيل ثورة الشعب بكافة فئاته بعدما أقدم الفرنسيون على نفي محمد الخامس مع أسرته الملكية في أغسطس من العام 1953.

وتم نقل السلطان الراحل محمد الخامس آنذاك وأفراد الأسرة الملكية، في أواخر يناير 1954 إلى مدغشقر حيث أقاموا بفندق “لي تيرم” بمدينة أنتسيرابي واستمر النفي حتى الأول من يناير 1955.

كان فندق “لي تيرم” في أنتسيرابي مقر الإقامة شاهدا على فترة عصيبة من حياة السلطان محمد الخامس وأسرته لولا كرم أبناء البلد والعاملين بالفندق وتفانيهم في التعامل باحترام وتقدير مع العاهل المغربي المنفي.

وشكل الفندق محطة هامة في تاريخ المغرب حيث اعتبر مركزا لتبادل الرسائل بين الملك والمقاومة المغربية، وكانت غرفه أيضا شاهدة على أهم الاجتماعات التي دارت بين الملك الراحل محمد الخامس بمعية نجله الحسن الثاني مع مبعوثين من المقاومة والحكومة الفرنسية.

وعاشت الأسرة الملكية في هذا الفندق دون مرافقين مغاربة، حيث أن العاملين فيه كانوا أساسا من الملغاشيين تحت إشراف مسؤولين فرنسيين، فذاكرة سكان مدينة أنتسيرابي، وعلى الخصوص أولئك الذين كانوا يشتغلون بفندق “لي تيرم”، لا تزال قوية، ويحكي أصحابها بحب وتأثر تفاصيل دقيقة من حياة الملك الراحل محمد الخامس وعائلته.

وكان كل ركن من زوايا فندق “لي تيرم”، شاهدا على تفاصيل حكاية عائلة أدت ضريبة المنفى نتيجة مواقفها الرافضة للاحتلال الفرنسي، واعتبرت كل زاوية فيه لها نصيب من ذكريات خاصة بأفراد هذه العائلة وتفاصيل حياتهم اليومية.

أنتسيرابي تعني باللغة المحلية "هناك حيث يوجد الكثير من الملح"، معنى يليق بالمدينة وعمق ودها الذي دام إلى الآن

وفي هذا الخصوص قال الملك الراحل الحسن الثاني الذي رافق والده في منفاه، إن في أنتسيرابي كان علينا أن نعطي انطباعا بأننا قبلنا حياة المنفى وألفناها، فكنت أتظاهر بمتابعة دراساتي للحقوق بينما كنت في الحقيقة أتولى يوميا، بنصح من الملك محمد الخامس، إعداد الأجوبة عن رسائل كانت تتزايد كل يوم.

لابد أن غرف الفندق التاريخي تذكرت إسحاق عثمان ذا الـ84 سنة، الذي عايش الملك محمد الخامس، بعدما استرجع تلك العلاقة المشتركة، فغالب دموعه بتأثر أمام الملك محمد السادس واستعرض كرم الملك الراحل محمد الخامس إبان فترة نفيه بأنتسيرابي.

في الفندق الذي استضاف العائلة الملكية المنفية عاما كاملا، كان الملغاشيون يكتشفون كل يوم لباقة الملك محمد الخامس وكرمه وتواضعه الذي لم يتغير رغم قساوة المنفى، بل كان مبادرا لمساعدة الناس دون حساب، وللعلم فإن نفقات إقامة الأسرة الملكية بالمنفى كانت على حسابها الخاص.

وفي خضم ألم الغربة والنفي، عرفت جنبات الفندق فرحة ما بعدها فرحة بعدما ولدت الأميرة للا منة في 14 أبريل 1954، مما خفف من شقاء المنفى وهوّن الغربة، وأصبحت العائلة الملكية متفائلة بهذه المولودة ورفعت من معنوياتها، ما جعل محمد الخامس يخاطب ابنه الحسن الثاني قائلا “أنا ولدتها وأنت تربيها”.

وبموازاة هذا الحدث السعيد، عرفت غرف الفندق حركة دؤوبة من مبعوثين من المقاومة المغربية وآخرين من الحكومة الفرنسية للتفاوض مع الملك محمد الخامس، بين سنتي 1954 و1955 للبحث عن حلول للأزمة التي خلفها نفي العائلة الملكية وانطلاق شرارة ثورة الملك والشعب في العام 1953.

وشهد الفندق كل المحاولات الفرنسية لإغراء محمد الخامس بالتنازل عن العرش، لكنه ظل صامدا حتى عودته مظفرا في العام 1956.

وبعد 62 سنة تهفو نفس الملك محمد السادس إلى المكان الذي استقبل جده ووالده فحل بمدينة أنتسيرابي، متوجها رأسا إلى فندق “لي تيرم”، المصنف تراثا معماريا وطنيا، ولاستحضار ذكرى العائلة بالمدينة كان ضروريا أن يطلع العاهل المغربي على تفاصيل حياتها من خلال معرض للصور وشهادات حية لأشخاص نسجوا علاقات محبة مشتركة مع الملك الراحل محمد الخامس.

بين الماضي والحاضر

انتعشت ذاكرة سكان مدينة أنتسيرابي بزيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس، الأربعاء 23 نوفمبر، وعلى الخصوص أولئك الذين كانوا يشتغلون بفندق “لي تيرم”، فلا تزال ذاكرة من بقي حيا منهم يحكي بحب وتأثر تفاصيل دقيقة من حياة الملك الراحل محمد الخامس وعائلته.

فندق المنفى

فرغم قسوة المنفى وبعد الملك الراحل محمد الخامس عن بلده بالآلاف من الكيلومترات إلا أنهم لمسوا فيه الإنسان المتواضع والسباق إلى فعل الخير ومقاسمتهم ما يملكه.

وقد استقبلت مدينة أنتسيرابي التي تبعد 170 كلم عن العاصمة مدغشقر، بحفاوة الملك محمد السادس، حفيد محمد الخامس الذي ارتبطت المدينة وفندقها التاريخي باسمه وذكراه، زيارة اعتبرها تيري مالبير، أستاذ الأنتروبولوجيا بجامعة لاربينيون، جد مهمة للشواهد التاريخية التي يختزنها المكان.

وتعني أنتسيرابي باللغة المحلية “هناك حيث يوجد الكثير من الملح”، وهو معنى يليق بالمدينة وعمق ودها الذي دام إلى الآن، فلا طعام يكون شهيا دون ملح، ما أعطى للعلاقات المغربية الملغاشية معنى وجدانيا وسياسيا وروحيا قويا.

وقد عبر الكثير من الملغاشيين عن روح صادقة وذاكرة قوية بتأكيدهم أن زيارة الملك محمد السادس لأنتسيرابي والفندق الذي احتضن عائلته لها رمزيتها الروحية والسياسية ولبنة أخرى توضع وسط العلاقات بين المغرب ومدغشقر.

واستذكرت شوارع المدينة بحضور العاهل المغربي خطوات جده الملك الراحل محمد الخامس عندما كان يخرج من فندق الإقامة إلى الصلاة بمسجد المدينة، الذي تم تأسيسه سنة 1930، حيث كان يلقي خطبة صلاة الجمعة، أو الذهاب إلى السوق واللقاء مع الناس بعفوية وسلاسة دون بروتوكول أو حراسة مبالغ فيها، فكما كان في الفندق يعيش وأسرته حياة طبيعية عادية كانت تحركاته كذلك.

وفي هذا الصدد قال مؤرخ المملكة، الناطق الرسمي باسم القصر الملكي عبدالحق المريني، إن زيارة الملك محمد السادس، الأربعاء 23 نوفمبر الجاري، لفندق “لي تيرم” الذي أقام به بطل التحرير، المغفور له محمد الخامس والأسرة الملكية إبان نفيه القسري بمدغشقر سنة 1954، “لحظة مؤثرة ترفل بعبق التاريخ”.

وقالت مجلة “جون أفريك” في تقريرها إن زيارة محمد السادس أثارت من جديد الحنين إلى الماضي بين البلدين، حيث تحظى مدغشقر بمكانة خاصة في قلب محمد السادس، خاصة وأن جده وأباه، الملك الحسن الثاني، قد قضيا سنتين من فترة النفي، وتحديدا مدينة أنتسيرابي الواقعة وسط جزيرة مدغشقر، قبل أن تعود العائلة الملكية إلى المغرب في نوفمبر 1956.

فندق "لي تيرم" في أنتسيرابي يشهد على فترة عصيبة من حياة ملك المغرب محمد الخامس وأسرته أثناء فترة المنفى بين 1954 و1955

الهندسة المعمارية

يعتبر فندق “لي تيرم” من بين الفنادق التاريخية ذات السمعة الكبيرة بأنتسيرابي، وأنشئ الفندق في العام 1896، وسمعته التاريخية نابعة أساسا من إقامة الملك محمد الخامس وعائلته به في سنوات الخمسينات.

وتم تجديد الفندق بالكامل في عام 1970، ويشمل بصمة الثقافة الحداثية رغم أن بعض المؤرخين صنفوا هذه المعلمة المعمارية من بين المنجزات المرتبطة بالطراز الإغريقي الروماني. ويبدو أن التفاعل بين المكونات الهندسية والمجال الطبيعي انعكس في عمارة فندق “لي تيرم”، فشرفاته تجدها مغطاة ومنقوشة حيث راعى المهندس المعماري طبيعة المكان الجغرافية والمناخ الاستوائي الطاغي على الجزيرة، وهو تناسب أضفى على البناء طابع التناسق والجزالة.

ويقع الفندق وسط مدينة أنتسيرابي بالقرب من محطة القطار ومنتجع صحي، وتعد هذه المنشأة من النصب التاريخية بمدغشقر تمت هندستها على الطراز الفرنسي وتتوسطها حديقة جميلة على مساحة أربعة هكتارات، وهو يعد من الفنادق الفاخرة بالمدينة.

وقد تأثر الفندق في الفترة الاستعمارية بالعمارة الفرنسية، وتعتبر هذه الهندسة المعمارية للفندق متناسبة مع نمط المنتجعات الأوروبية في العمارة من خلال الأسقف والشرفات والطول الاستثنائي للمبنى، والأرضيات والأعمدة والأقواس، والشرفات العميقة المغطاة، مع استخدام الطوب والحجارة. أما أعمدة الطابق الأرضي فراعى فيها المهندس المعماري التماثل التام بينها وبين كل العناصر المعمارية المتداخلة.

20