أنتوني بلينكن وجه السياسة الخارجية الأميركية الجديدة متعدّد القراءات

بلينكن ينظر إلى العلاقات الأميركية الممتدة عبر الخارطة الدولية نظرة مغايرة منذ بداياته الأولى في عالم السياسة. ولا شك أنه أحد تلاميذ هنري كيسنجر النجباء، ولكن على طريقته.
الأحد 2021/03/07
أي غمز ينتظره العالم من بلينكن

تذكّر تصريحات وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن المفاجئة بين الحين والآخر بالمثل القائل “لكل امرئ من اسمه نصيب”، فالاسم الثاني له يعني بالإنجليزية والألمانية “الغمزة” أو الفعل “يغمز”، فأي غمز سيبقى ينتظره العالم ومعه المنطقة العربية من وزير خارجية أميركا الـ71؟

يبني بلينكن حضوره في الساحة الدولية على معرفة تلقاها في جامعات باريس ثم في هارفارد وكولومبيا، وعلى تعاليم دينية باللغة الديشية من والديه اليهوديين في مسقط رأسيهما في مدينة كييف السوفييتية.

وفي التاسعة مع عمره انتقل إلى باريس، بعد أن اقترنت أمه بسامويل بيسار، أحد الناجين من الهولوكوست. وهذا الأخير الذي كان محاميا ترافع عن المشاهير مثل جون لينون وجاين فوندا، شجّعه على الالتحاق بالسلك الدبلوماسي، ورغم ميله إلى الفن والموسيقى، إلا أنه بلغتيه الروسية والفرنسية ودراسته للقانون، دخل عالم السياسة باندفاع.

وفي أميركا، وبدءا من أواسط التسعينات، مكنته مهنة الصحافة التي لم يبق فيها طويلا محرّرا في صحيفة “الجمهورية الجديدة”، من السباحة في المياه العميقة للسياسة الخارجية الأميركية، حين تم اختياره كمحرّر لخطابات الرئيس بيل كلينتون داخل البيت الأبيض. وكان أول احتكاك رفيع المستوى له حين تولى منصب “المدير الأول للشؤون الأوروبية والكندية” والمساعد الخاص للرئيس لقضايا الأمن القومي.

قضى بلينكن أربع سنوات في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، نصفها كنائب لرئيس مكتب الأمن القومي، ونصفها الآخر نائبا لوزير الخارجية. وها هو يقفز من النيابة في نقلته الأخيرة إلى موقع صاحب القرار كرأس للدبلوماسية الأميركية.

ومن يدقّق جيدا في الصورة التي نشرتها إدارة أوباما، للرئيس ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون وكبار المسؤولين، أثناء عملية قتل أسامة بن لادن في أبوت آباد الباكستانية في 2011، سيجد بلينكن واقفا في الخلفية بعيدا عن مركز القرار، لكن ضمن حلقته الضيقة. فسياسي من طراز بلينكن لم يكن ليبحث عن أدوار في الواجهة، فما يستطيع التأثير من خلالها من مواقعه الخلفية أكبر بكثير مما يحققه الآخرون.

عهد جديد ورؤية جديدة

بلينكن كان هنا أيضا
بلينكن كان هنا أيضا

تنتشر الهمسات المتخوّفة في أنحاء العالم من أن يكون عهد الرئيس جو بايدن نسخة ثانية عن عهد أوباما، أو أوباما 2 كما يقال، غير أن مهمة بلينكن على ما يبدو، قول العكس دون أن يضطر بايدن إلى فعل هذا بنفسه.

لقد كان من البداية ينظر إلى العلاقات الأميركية مع الخارطة الدولية نظرة مختلفة، يتضح ذلك من كتابه “حليف مقابل حليف: أوروبا وأزمة خط الأنابيب السيبيري”. لا شك أنه أحد تلاميذ هنري كيسنجر النجباء، ولكن على طريقته.

ولم تأت الألفية إلا وتحوّل بلينكن إلى ضيف دائم على المطبخ السياسي الأميركي، وفي الاتجاه ذاته؛ العلاقات الخارجية، ولذلك كان موقعه ككبير باحثي مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية منصبّا على أوروبا.

بات الأقرب لبايدن في فترة عمله كمساعد له في الكونغرس، ومعه أصبح كبيرا للموظفين الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ التي كان بايدن يمثل الحزب الديمقراطي فيها. أعاده بايدن من جديد إلى البيت الأبيض، حين عيّن نائبا لمساعد الرئيس ونائبا لمسؤول قضايا الأمن القومي في مكتب نائب الرئيس، ومن ثم نائبا لوزير الخارجية حتى نهاية فترة ولاية أوباما.

في كل تلك المراحل، ترافقت قناعات بلينكن الدبلوماسية مع إيمانه بضرورة الإبقاء على الردع الأميركي، ولذلك لم يكن موافقا على الكثير من القرارات التي اتخذتها إدارة أوباما، خاصة في سوريا التي قال عنها “في سوريا، سعينا إلى تجنّب تكرار تجربة العراق من خلال عدم القيام بالكثير، لكننا ارتكبنا الخطأ المعاكس المتمثل في عمل القليل جدا”.

صحيح أن تصريحه الأخير، حول انتهاء عصر نشر الديمقراطية بالقوة وإسقاط الأنظمة، أثار لغطا كبيرا حتى أن الخارجية الروسية أشادت به على لسان المتحدثة باسمها ماريا زاخاروفا، إلا أن بلينكن يبقى، كعادته، لا يقول كل شيء.

نقرة هنا وأخرى مغايرة هناك. في الخطاب ذاته حذّر بلينكن من أن الدول الدكتاتورية تروّج للأكاذيب لخدمة مصالحها ولمواجهة الديمقراطية، مؤكدا أن العالم يحتاج إلى حلول ديمقراطية، لمواجهة الأزمات المسبّبة للهجرة، بالإضافة إلى ضرورة مواجهة أزمة المناخ التي تحتاج تعاونا دوليا.

استفاض في وصف النهج الذي ستسير عليه إدارة بايدن، وأضاف أن بلاده ستحافظ على تفوّقها العلمي والتكنولوجي، كما أنها ستقوي دفاعاتها في مجال “الردع التكنولوجي”، كما شدّد على أن الولايات المتحدة لن نتردد أبدا في استخدام القوة لحماية الأميركيين.

سوريا وروسيا والصين

المواقف الأميركية الأخيرة لإدارة بايدن حيال الحلفاء العرب، لاسيما موقفها من السعودية وبيانها الذي ندّدت به أطراف دولية عديدة، حول ما يتعلق بقضية خاشقجي، تظهر أن بلينكن يعاني بحق في كيفية إيصال رسالته.
المواقف الأميركية الأخيرة لإدارة بايدن حيال الحلفاء العرب، لاسيما موقفها من السعودية وبيانها الذي ندّدت به أطراف دولية عديدة، حول ما يتعلق بقضية خاشقجي، تظهر أن بلينكن يعاني بحق في كيفية إيصال رسالته.

كان بلينكن يروّج خلال الشهر الماضي للتعاون ومدّ اليد نحو الدول التي وصفت طويلا بأنها تشكّل خطا معاديا لمصالح واشنطن، حين قال أمام مؤتمر حول نزع السلاح عقد في جنيف برعاية الأمم المتحدة “نحن مستعدون لإشراك روسيا في محادثات حول الاستقرار الاستراتيجي في ما يتعلق بالحد من الأسلحة وحل المسائل الأمنية الناشئة”، مشيرا إلى رغبة بلاده في التعاون مع جميع الدول، بما فيها روسيا والصين من أجل التوصل إلى قواعد متفق عليها لـ”السلوك المسؤول في الفضاء الكوني”.

ولم ينس خلال دعوته المنفتحة تلك إلى الغمز من قناة الرئيس فلاديمير بوتين حين قال إن موسكو “استخدمت أسلحة كيميائية لقتل مواطنيها”، مشيرا إلى المعارض الروسي أليكسي نافالني.

أما الصين التي اعتبرها بلينكن أكبر تحدٍّ جيوسياسي في القرن الحادي والعشرين أمامه، فقد أكد أن الولايات المتحدة ستتحاور معها، وهي مستعدة لمجابهتها متى دعت الحاجة. وكما هو الحال مع الروس، فقد تعهّد بلينكن بالوقوف مع حقوق هونغ كونغ وأقلية الأويغور، محذّرا من أن الصين هي “الدولة الوحيدة ذات القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية التي من شأنها أن تهدد جديا المنظومة الدولية المستقرة والمفتوحة”.

كان بلينكن متحمّسا جدا لتوجيه ضربات عسكرية ضد النظام السوري، بعد استخدامه السلاح الكيميائي ضد المدنيين في غوطة دمشق صيف العام 2013، وحينها قال بنفسه إن “القوى العظمى لا تهدّد كذبا”، وبعد هذه السنوات، وخلال مباحثاته مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للعملية السياسية حول سوريا، أكد الرجل ذاته التزام واشنطن بقرار مجلس الأمن الدولي 2254.

وقبل وصوله إلى منصبه الجديد، عبّر خلال حديث صحافي أجري معه العام الماضي عن تأثّره بما يحدث في سوريا، قائلا “هذا أمر يؤثر عليّ بشكل شخصي، كما على أيّ منّا، وأبدأ مع نفسي، الذين كان لنا أي مسؤولية عن سياستنا بخصوص سوريا. لقد فشلنا في منع خسارة مروّعة للأرواح. فشلنا في منع نزوح عدد هائل من الناس داخل سوريا، وطبعا خارجها كلاجئين. وهذا شيء سآخذه معي طوال بقية أيامي. إنه شيء أشعر به بقوة”، ثم أضاف “يكاد أن يكون مستحيلا أن أتخيل أن إدارة بايدن ستطبّع العلاقات مع نظام الأسد”.

إيران ونظرية بلينكن

بلينكن يتهم إيران بأنها تتحرّك في الاتجاه الخاطئ، وهو يرى أنه لا يزال هناك طريق طويل لتقطعه حتى تعود إلى الوفاء بالتزاماتها

طرح الوزير المحنّك نظرية غير مسبوقة للتعامل مع الإيرانيين، سمّاها “الدبلوماسية المبدئية” واعتبر أنها تبقى المسار الأفضل لضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي. وغرّد على حسابه في تويتر قائلا “يسعدني أن أرى المبعوث الخاص لإيران روب مالي يباشر في بداية رائعة بوزارة الخارجية”.

وتبدو قصة الدبلوماسية المبدئية صعبة بعض الشيء إذا ما وضعنها إلى جوار البراغماتية الأميركية التي تتمدّد عابرة للإدارات ولتوجهات من يسكن البيت الأبيض، جمهوريا كان أم ديمقراطيا.

في مكان آخر يعيد بلينكن التذكير بمواقف بلاده التي يصفها بأنها ثابتة في التعامل مع إيران، حين يقول “موقفنا واضح.. على إيران أن تعود إلى التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، فإذا عادت سنعود. هذا سيستتبعه تخفيف للعقوبات، ولكننا مازلنا بعيدين عن ذلك”.

يتهم بلينكن إيران في حديثه مع شبكة “بي.بي.أس”، بأنها تتحرك في الاتجاه الخطأ، وهو يرى أنه لا يزال هناك طريق طويل لتقطعه إيران حتى تعود إلى الوفاء بالتزاماتها.

ووسط التصريحات المتضاربة لبلينكن تقوم إيران بتحريض وكلائها على المزيد من استفزاز الولايات المتحدة، خاصة بعد الهجوم الأخير على قاعدة عين الأسد في العراق والذي استخدمت فيه 10 صواريخ “آرش” إيرانية الصنع، وهي ذات دقّة أعلى من الصواريخ التي تستهدف عادة مواقع غربية في العراق. وقد علّق بلينكن على ذلك الهجوم بالقول إن الأميركيين يسعون أولا إلى تحديد هوية منفذي الهجوم “من أجل الرد عليهم في الوقت والمكان المناسبين”.

رسائل مشفّرة

بلينكن يدرك بحسّه الدقيق، أن إدارة بايدن لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تستنسخ تجربة أوباما، بعد أن تعلّم الديمقراطيون الدرس جيّدا. أما أوباما فقد كان مجرّد مرحلة.
بلينكن يدرك بحسّه الدقيق، أن إدارة بايدن لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تستنسخ تجربة أوباما، بعد أن تعلّم الديمقراطيون الدرس جيّدا. أما أوباما فقد كان مجرّد مرحلة.

غير أن المواقف الأميركية الأخيرة لإدارة بايدن حيال الحلفاء العرب، لاسيما مواقفها من السعودية، وبيانها الذي ندّدت به أطراف دولية عديدة، حول ما يتعلق بقضية خاشقجي، تظهر أن بلينكن يعاني بحق في كيفية إيصال رسالته. فقبل ذلك قال إن “السعودية شريك أمني مهمّ”، وقبلها بأيام أكد أن “واشنطن تراجع علاقتها مع السعودية لتضمن أنها تتماشى مع المصالح والمبادئ الأميركية”.

وخلال الأيام الماضية عاد وأوضح أن واشنطن تريد تغييرا في علاقتها مع الرياض، لا شرخا، مبيّنا أن ما أعلنته الولايات المتحدة مؤخرا “هو في الحقيقة ليس قطع العلاقات ولكن إعادة ضبطها لتكون أكثر توافقا مع مصالحنا وقيمنا”، مضيفا أن الولايات المتحدة تقوم بمراجعة مبيعات الأسلحة إلى السعودية.

وإلى جانب ذلك رحّب بلينكن بـ”الانفتاح التاريخي لدولة الإمارات العربية المتحدة مع إسرائيل، والتعاون للدفاع عن الإمارات ضد التهديدات الإقليمية، والعمل معا لخفض التوترات وإنهاء النزاعات”، وذلك خلال الاتصال الذي جرى بينه وبين وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، مشيدا “بالتقدم المحرز نحو تخفيف الخلاف مع قطر”، مشدّدا على الفرص المستقبلية لدولة الإمارات لتقديم مساهمات إضافية نحو شرق أوسط أكثر سلاما.

خارطة إشارات بلينكن

ما الذي يفعله بلينكن؟ إنه يدرك تماما أنه في بداية مرحلة، وأن عليه أن يخلط الأوراق بأكبر صورة ممكنة، كي يمهّد الطريق للبرامج السياسية الجديدة التي سيجري طرحها.

يعرف بلينكن أن الأمور في النهاية ستصل إلى حقيقة أن إدارة بايدن لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تستنسخ تجربة أوباما. لقد تعلّم الديمقراطيون الدرس جيدا. كان أوباما مرحلة، وهم اليوم أمام مشهد جديد بمكتسبات جديدة، بما فيها ما حققه الرئيس السابق دونالد ترامب، لذلك يقول بلينكن في جلسة الاستماع أمام الكونغرس “لا أحد منّا يبكي قاسم سليماني، وأنا رأيت الدماء على يديه”.

وبتمسكه الشديد بضرورة الحفاظ على المصالح الأميركية مع الأوروبيين سيسعى إلى تهدئة تحفظاتهم على الموقف الأميركي تجاه الملف النووي الإيراني، لكن ما سيساعد بلينكن هو العجز الإيراني عن نهج السلوك الصحيح. فإيران ستبقى تحاول تطوير قدراتها النووية، وستبقى لأسباب إقليمية تدعم الميليشيات الإرهابية التي تدور في فلكها والتي تهدّد مصالح الولايات المتحدة. ولهذا لن تجدي “الدبلوماسية المبدئية” نفعا مع طرف لا يعترف بالدبلوماسية أساسا.

8