"أنتيغون" رسائل مسرحية مشفرة إلى الجمهور المغربي

مسرحية "أنتيغون" تظهر المرأة في عذاباتها في كل العصور، وفي مجتمعات مختلفة، من خلال عزلها في هامش ضيق من الحياة لا يتجاوز حدود الحياة اليومية لأي أسرة.
الثلاثاء 2018/04/10
أنتيغون وقضايا المرأة الأبدية

مسرحية ” أنتيغون” التي عرضت مؤخرا على مسرح محمد الخامس بالرباط من تقديم فرقة تاغنجا، قالت الكثير عن قضايا تحرر المرأة ودورها المهم في نهضة المجتمع.

أظهرت المسرحية المرأة في عذاباتها في كل العصور، وفي مجتمعات مختلفة، وعزل المرأة في هامش ضيق من الحياة لا يتجاوز حدود الحياة اليومية لأي أسرة. حيث نرى المرأة فيها كزوجة مشغولة بأسرتها، وتدبير شؤونها، ولا شأن لها بغير ذلك الهامش الضيق، وبعد ذلك تؤدي دورها كأم عجوز طاعنة في السن تنتظر نهايتها القريبة.

المسرحية من تأليف جون أوين وترجمة الشاعر عبداللطيف اللعبي، وإخراج يوسف آيت منصور، حيث نقل كل من المترجم والمخرج للرائي نصا قديما عدة رسائل، من بينها “رسالة إنسانية عن عاطفة الأمومة، التي يمكن أن تكنَّها أخت لشقيقها”. والرسالة الثانية “أنَّ الحكم الفردي على الأمة سيقود حتماً إلى دمار الحاكم، وأسرته، قبل دمار المجتمع برمَّته”.

 

الكثير من الأعمال المسرحية اليونانية وقع اقتباسها أو إعادة العمل عليها وتقديمها في كل عصر من العصور بشكل مغاير، نظرا إلى ثرائها وقدرتها على ملامسة قضايا إنسانية خالدة، تتجاوز حدود الزمن والجغرافيا واختلاف الثقافات البشرية

تحكي قصة المسرحية عودة أنتيغون ابنة أوديب الملك اليوناني إلى طيبة، لتلتقي بأخويها إيتيوكليس، والأصغر بولينيس وأختها إسمين، بعد أن أطفأ أبوها أوديب عينيه بيديه، ونفى نفسه إلى خارج طيبة.

كانت نبوءة الأعمى تريسياس عرَّاف طيبة اقتتال الأخوين إيتيوكليس وبولينيس، ويقتل أحدهما الآخر، كجزء من العقوبة السماوية لما اقترفه الأب أوديب الملك السابق لطيبة من جرائم بحق أبيه وأمه.

وتحكي القصة القديمة لأوديب الذي التقى أباه خارج المدينة عندما كان شابا، وقتله في مبارزة من دون أن يعرف أنَّه أبوه. وتزوج بعد ذلك أمه جوكاستا، من دون أن يعرف أنَّها أمه، وأنجب منها ولدين وبنتين، فحلت اللعنة على مدينة طيبة.

وبعد أن نفى أوديب نفسه تولّى ابنه الكبير إيتيوكليس عرش طيبة متحالفا مع خاله كريون، ولكنّ أخاه الأصغر نافسه على العرش، مستنجدا بقوات من من خارج طيبة، واقتتل الأخوان، وقتل أحدهما الآخر.

قرر كريون خالهما والملك الجديد لطيبة، أن يُكرم الأخ الأكبر إيتيوكليس حليفه بدفن ملكي يليق بملك دافع عن بلاده ضد الأجنبيّ الطامع وقتل في المعركة. وأمر بترك جثة الأخ الأصغر بولينيس لتتعفن تحت الشمس، لأنّه كان خائناً لطيبة. فتظهر داخل الأخت أنتيغون عاطفة الأمومة تجاه أخيها المقتول بولينيس فتقرر تحدي أوامر الملك كريون، وتهرع لدفن جثته، وتدفنه متحدية أوامر كريون. ويعرضها ذلك التمرّد على أوامر دكتاتور طيبة إلى السجن والتعذيب. وقد أمر بعد ذلك بدفنها حية في قبر وسط قبور ملوك طيبة السابقين.

وتفشل كل الوساطات التي تقوم بها زوجته، ومشورتها له بإطلاق أنتيغون، إن لم يكن رحمة بها، فرحمة بابنه هايمون، الذي يحبها ويريد الزواج منها. ولم يبخل عليه حكماء طيبة أيضاً بالآراء التي تجنّبه لعنة السماء، لأنَّه خالف الشرائع اليونانية بالأمر بعدم دفن الميت، ووضحوا له أنَّ الدفن من حقوق الميت المقدسة.

تتفرد مسرحية أنتيغون لأنوي، المعروضة بالمغرب عن النسخة اليونانية، بكون شعب طيبة يؤازر دكتاتور طيبة كريون بتأييدهم له بعدم دفن القتيل، بينما في النسخة اليونانية يطالب أهل طيبة بدفن الميت، لأنَّ ذلك من حقوق الموتى السماوية، التي لا يمكن معارضتها من قبل الحاكم أو الأمر بعدم تنفيذها.

المسرحية نقلت رسائل مشفَّرة أخرى أكثر أهمية في يومنا الحالي من الرسائل السابقة جاءت للتعبير عن قضايا “الجندر” والعلاقة التاريخيّة بين الرجل والمرأة

يحاول كريون الخلاص من ورطته، وهو يتصنع الطيبة والإنسانية أمام حكماء طيبة، ولكن في الحقيقة تتملّكه روح التفرّد بالحكم، والقسوة في التعامل مع من يعارضه. فيحدث أنتيغون في معتقلها، لتتراجع عما فعلته، وتعلن ندمها، ليتم العفو عنها، لكنها تصرّ على عدم ندمها، فيهدّدها بدفنها حية، لكنها تتحدى كريون غير عابئة بالموت، الذي ينتظرها، فهي قررت مع نفسها أنها حالما تخلو مع نفسها في المعتقل ستنتحر شانقة نفسها في زنزانتها.

وهذا بالفعل ما تفعله أنتيغون في نهاية العرض، معلنة بذلك رفض الفرد لطغيان الحاكم. وينتحر بعدها همايون ابن كريون حزنا على حبيبته أنتيغون، وتقتل أمه نفسها حزناً على ولدها، ويبقى الدكتاتور كريون وحيدا بلا أسرة.

الأمومة ضد الطغيان، هذا ما قالته مسرحية “أنتيغون” للكاتب الفرنسي جون أنوي. ونقلت رسائل مشفَّرة أخرى أكثر أهمية في يومنا الحالي من الرسائل السابقة جاءت للتعبير عن قضايا “الجندر” والعلاقة التاريخيّة بين الرجل والمرأة في مفهومها السياسي والثقافي والاجتماعي، وضرورة تحرير المرأة، وإعطائها دوراً أكثر أهميّة في العمل السياسي وتطور المجتمع، وهي التي تتحمل مآسي السياسيين وأطماعهم وظلمهم وتمسكهم بالرأي الواحد.

14