أنتيغون شامية على خشبة أردنية

الأحد 2016/08/14
العرض يروي سيرة نساء من أجيال مختلفة

في عرض “العاديات” الأردني، الذي قدّمه خليل نصيرات مؤلفا ومخرجا على مسرح المركز الثقافي الملكي بعمّان، ثمة قصص كثيرة لمآسي الحرب في سوريا، وبوح موجع ومخيف يعتصر فيه الانتظار قلوب نساء ضائعات وتائهات (مثّلت أدوارهن: شفيقة الطل، عهود الزيود، راما سبانخ، أريج جبور، مرام أبوالهيجا، وسوزان البنوي)، ويظللن رهن رجال غائبين ومشتتين تحت السماء الملتهبة، وبين الأشجار التي تستغيث بضباح الخيل (صوت أنفاسها في جوفها عند العَدوِ). لكن الصهيل في العرض يطغى على صوت القنابل والبراميل المتفجرة والرصاص، ويحتل المدى المشتعل بهدير الحق، ويتجاوز مكانا صغيرا كان اصطبلا، وظلّ مجرد اصطبل. إنه الصهيل الذي لم يكن إلا صوتا للنجاة.

يتخذ العرض من اصطبل ما، يقع بين البساتين الممتدة حتى نهر العاصي في مدينة حمص السورية، فضاء له، وقد أصبح من جرّاء الحرب والقصف والدمار مكانا مهجورا تعيث فيه الجرذان التائهة، وتغطّي ترابه بقايا هشة لياسمين كان مخضوضرا وطريا، فيما كانت أشياء كثيرة تحكي سيرة الحياة في الفضاء، يعلوه غبار الخراب الذي يرسم ملامحه الكئيبة على الجدران والعيون والوجوه الضائعة، وتفوح من زواياه رائحة روث خيول كانت عاديات جامحات، ويعلو في أعماق جنباته صهيل الأسى والوجع، حيث التقت مجموعة من النسوة في ذلك الاصطبل، وكلّ واحدة منهن تعبّر عن شهقة طويلة من شهقات ذلك الصهيل.

في ذلك الفضاء، الضيّق حدّ القبر، والواسع حدّ الوطن، تنتظر “أم فارس” زوجها وأولادها الغائبين، خلال اشتداد القصف فوق رأسها عند نهر العاصي، فتحتمي به، ثم تلتحق بها امرأة أخرى تدعى “ياسمين” كانت في طريقها، هي وابنتها “سما” للجوء إلى أنطاكيا بعد أن هدمت البراميل المتفجرة، التي تلقيها طائرات النظام، بيتها في “حي الخالدية”، وبقيت وحيدة تعاني من محنة كبيرة بسبب مشاركة ولديها في الحرب، “رائد” انضم إلى قوات المعارضة و”خالد” إلى قوات النظام. وهي حالة ذات تناص واضح مع ولدي “أوديب” في تراجيديا “أنتيغونا” الإغريقية، اللذين يقاتلان في معسكرين متصارعين على السلطة، بعد نفي أبيهما خارج المملكة، فيُقتلان، أحدهما “إيتيوكل”والثاني “بولينيس”، ويناصر خالهما “كريون”، الذي يستولى على الحكم، “إيتيوكل” ويأمر بإقامة تشييع جنازة مهيبة ملكية له، وحرمان “بولينيس” من الدفن وترك جثته تتعفن شهرا في العراء تنهشها الطيور الجارحة.

لا تبقى النسوة الثلاثة في الاصطبل وحدهن طويلا، بل سرعان ما تنضم إليهن “أم عبدو”، التي كانت تعمل داية قبل الحرب، وامتهنت فيما بعد مهنة الخطّابة، فتحضر الفتيات من حلب وتأخذهن إلى “مخيم الزعتري” للنازحين في الأردن، وهناك تقوم بتزويجهن من أثرياء عرب، متعللة بأنها تقدم خدمات مقابل خدمات، بينما هي تعيش على حساب أفراح مزيفة.

وعندما يشتد القصف أكثر فأكثر تلوذ بذلك الفضاء امرأتان أخريان هما “أم البراء”، زوجة أحد القياديين الإرهابيين، بعد أن كانت تنوي الذهاب إلى مدينة حماة عن طريق العاصي لتنفيذ عملية إرهابية، و”ماري” الراهبة من دير الآباء اليسوعيين في حي بستان الديوان في مدينة حمص، وكانت تحاول الذهاب إلى نهر العاصي لتغسل روحها وجسدها من الخطايا بسبب تعرضها إلى اغتصاب بشع على يد “مجموعة كلاب بشرية ضالة” كما تقول. وينشأ صراع حاد بين هاتين المرأتين على خلفية الهوية الدينية لكل منهما.

حاول خليل نصيرات أن يضع مسافة بين موقفه الشخصي من النزاع الدائر بين المعارضة والنظام في سوريا، كما هو في الواقع، لإضفاء الموضوعية على الصراع الدرامي المحتدم بين شخصيات المسرحية. لكن رغم ذلك فإن منظور المتلقّين، كما اتضح في مناقشة العرض خلال الجلسة النقدية، كان منحازا إلى شخصيتي “أم فارس” و”ماري”، ومناهضا لشخصيتي “أم البراء” و”أم عبدو”، الأولى كونها إرهابية، والثانية كونها انتهازية تعمل في تجارة البشر.

العرض، الذي صمم إضاءته شاعر الضوء فراس المصري بإتقان وجمال أخّاذ وتقاطعات ذات إيحاء سيميائي، قدّم ممثلات بارعات في حضورهن على المسرح، وقدرتهن على أداء شخصيات متفاوتة أداء واعيا محكما متفهما لأبعادها النفسية والذهنية.

في تقديمه للعرض كتب نصيرات كلمة ذات منحى شاعري قال فيها “ليس للماء رماد.. هن فقط أسرجن وجعهن على ضفة النهر، وغفون إلى حين من السنوات. ويستيقظ النهر ليطلق الوجع جيادا سوداء يهربن بها من رماد الحرائق.. تبطئ الجياد أو تسرع، لا يهم، لأنها تعرف من أي قميص تفوح رائحة الياسمين، وأين ترقد القصائد بغيمها الماطر، وكيف يبني الدوري أعشاشه بين الركام.. لم يمتْن بما يكفي من الشهادة حتى يكتمل القمر متأنقا بربطة عنق بيضاء. هن فقط نحتن طوال الليل شفقا في السماء، نزعن من صدورهن قلوبا وقذفنها عاليا حيث الأحمر مائلا إلى الشجن. ومن ينزع قلبه ليرميه صاعدا لن يخطئ الضوء، ولن يلفظ خفقانه إلا ليقاطع الموت بقبر مفتوح على الوطن”.

كاتب من العراق

15