"أنتيغون" ممثلات وجمهور يبكون المأساة السورية على الخشبة

الأربعاء 2015/01/07
الأحمر والأسود لونان رمزيان يطغيان على جوقة الممثلات

لا يمكنك كمشاهد إلاّ التورط عاطفيا في العرض المسرحي “أنتيغون”، حيث نشهد صيغة مسرحية قريبة من تلك المستخدمة في مسرح المهمّشين والمقهورين للإضاءة على الشتات السوري، من خلال نقل هذه المعاناة إلى خشبة المسرح بالتعاون مع 21 امرأة من مخيم شاتيلا في لبنان.

شهدت خشبة “ميترو المدينة” في بيروت عرض “أنتيغون”، تحت عنوان فرعي يصف العرض بأنه “إعادة تأويل لنص سوفوكليس من قبل مجموعة من النساء السوريات”، المسرحية من إخراج السوري عمر أبوسعدة الذي سبق له العمل على صيغة مشابهة في عرض “نساء طرواديات”.

كما عمل محمد العطّار على اقتباس النص وقدّم الدراماتورجيا، وقامت حلا عمران بتدريب الممثلات إلى جانب دينا موسوي، العرض من إنتاج شركة “أبيرتا”.

فضاء العرض فقير، إذ يحوي عشرين كرسيا تتوزع عليه الممثلات اللاتي يؤدّين دور الجوقة بثياب موحّدة (أحمر وأسود)، بالإضافة إلى الراوية التي تجلس على مكتب يقع يمين الخشبة، متحدثة عن تجربة العمل المسرحي مع كل من عمر ومحمد (المخرج والدراماتورج).

تشرح الراوية آليات العمل (مقاربة الشخصيات، رسمها على ورق) للوصول إلى صيغة مناسبة لربط حكاية أنتيغون التي تريد دفن أخيها معارضة رغبة الملك كريون، مع حكاية كل واحدة من النساء اللاتي يشكلن الجوقة، إذ تبدأ بالحديث عن الحياة في المخيم وتفاصيلها، ثم عن “المعونة المسرحية” التي كانت مفاجئة للاجئات في مخيم شاتيلا اللاتي اكتشفن لاحقا معناها.

فهن سيشاركن في عرض مسرحي من تمثيلهن يعود ريعه إليهن، -هذا موضح في “بروشور” العرض-، لتبدأ بعدها الراوية بالحديث عن موقفها وموقف البقية كأشخاص وكممثلات من أنتيغون ومن أختها إسمينا، حيث تروي كل منهن قصة شتاتها ورحيلها من سوريا، والخسائر التي لحقت بها في أداء أبكى الجمهور لعفويته وابتعاده عن الاصطناع.

العرض يفسح المجال أمام اللاجئات السوريات على خشبة المسرح لتشريك الجمهور معاناتهن

فنحن نسمع المأساة على ألسنة نساء عشنها، هن لسن ضمن فرقة مسرحية محترفة تحاول محاكاة الواقع، بل نحن أمام نساء حقيقيات، هُجّرن من سوريا، من مخيم اليرموك ومن حلب وغيرهما ليصبحن لاجئات، لكنهن لسن أيّ نوع من اللاجئات، بل من ترتيب المستوى الأخير في سلم اللجوء، فحتى في الشتات هناك اختلافات، فمخيم شاتيلا للفلسطينيين، أما السوريون فهم “اللاجئون الجدد”.

كلمات كهذه حين نسمعها من أفواه النساء تحفر في القلب وتورّط الجمهور عاطفيا، فالتصفيق في النهاية استمرّ لفترة طويلة أبكت الممثلات أنفسهن، هي حالة طقوسية يتماهى فيها شخوص المأساة (ممثلون وجمهور)، لنصل إلى صيغة مشهديّة تؤكد على رسالة أننا لن ننسى أولئك المهجرين، فالمأساة واحدة وإن اختلف الأشخاص.

مازالت الممثلات وحتى لحظة العرض، يواجهن تحدّي قدرتهن على كسر حاجز الخوف، بالرغم من أنهن صعدن على خشبة المسرح ووفقن في تشريك الجمهور بقصصهن، إلاّ أن حاجز الخوف مازال موجودا، من سيرانا؟ هل سيتم تصويرنا؟ هل سنتعرض لأذى من نوع ما؟

كل هذه الأسئلة تطرحها الممثلات، وتشكل حاجزا بالنسبة إليهن في الاقتراب من شخصية أنتيغون، ونلاحظ في “بروشور” العرض غياب الأسماء الأخيرة للممثلات، وتمّ الاكتفاء بأسمائهن الأولى، وكأن المأساة لا تعرف اسما، فما يهمّ هو الإنسان وما يتعرض له كجسد وكحضور، فالخوف حاضر مهما حاول الإنسان تخطيه، هو أقرب للندبة التي لا تختفي.

مازالت الممثلات وحتى لحظة العرض، يواجهن تحدّي قدرتهن على كسر حاجز الخوف، بالرغم من أنهن صعدن على خشبة المسرح ووفقن في تشريك الجمهور بقصصهن

تطرح الراوية سؤالا هاما عن شخصية أنتيغون وتاريخها في حبكة النص، فـلو كان لأنتيغون أطفال، هل كانت لتقاتل بهذه الاستماتة عن حق أخيها في الدفن اللائق؟ يبدو أن هذا السؤال يقع في صميم العمل الدراماتورجي على شخصية أنتيغون والاقتراب منها ومحاكاتها من قبل الممثلات، اللاتي بالرغم من معاناتهن مازالت هموم الحياة اليومية تحاصرهن وتلاحقهن.

يطرح العرض مشكلة أخرى لدى اللاجئات ترتبط أيضا بالخوف، وهي من سيمثل دور كريون؟ دور الذكر الذي يقهر أنتيغون ويقف في وجهها، وهل المبررات التي اتخذها لنفسه وافية كي يقوم بفعلته لمنع أنتيغون من دفن أخيها؟ وهل إسمينا أيضا معها حق في موقفها القائم على المصالحات مع السلطة القائمة؟

الكثير من الأسئلة يطرحها العرض والتي ترتبط بالنص الأصلي نفسه وبالاشتغال الدراماتورجي عليه، في محاولة لربط معاناة اللاجئات مع معاناة أنتيغون، فهذه الأخيرة موجودة في كل امرأة، وفي كل أنثى تتعرض للقهر والخسارة.

تتعدّد تقنيات السرد في المسرحية، فبالإضافة إلى حضور الممثلات وروايتهن لقصصهن وكلام الجوقة من النص الأصلي، نرى الشاشة أمامنا تنقل جزءا من الحوار، بالإضافة إلى الراوية التي تتحدث عن مسار تحضير المسرحية وموقف كل من الممثلات من العرض والنص.

كذلك نلاحظ اختلاف توزعهن الحركي على الخشبة، وتبدل وضعياتهن حسب صيغة السرد ومضمونه، فنحن لا نشهد عرض أنتيغون كما هو مكتوب في النص، بل نحن أمام صيغة جديدة تستدعي المأساة كما عـاشها من شهدها اعتمادا على نص سوفوكل.

16