أنتي-بالاكا في أفريقيا الوسطى.. العنف الديني في نسخته المسيحية

تؤكد الأحداث السياسية في مناطق متعددة من العالم، أنه كلما اعتمد تيار سياسي معين، على الدين منطلقا فكريا، وعلى السلاح أداة فعلية، أدى ذلك أولا إلى شيوع العنف والقتل على الهوية، وأنتج ثانيا عنفا وتطرفا مضادين. في العالم أمثلة لا تحصى تؤكد هذه القاعدة. في بحث هالة ثابت الذي يسلط الضوء على “حركة أنتي-بالاكا الأفريقية” (ضمن كتاب “الصفوية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي) شهادة مفيدة لفهم العنف الديني والطائفي المستشري في أفريقيا الوسطى، ولتبين متوالية العنف والعنف المضاد في الجوار المحيط بالبلاد.
الاثنين 2016/12/05
تختلف التسميات والتطرف الديني واحد

دبي- ظهرت حركة أنتي- بالاكا في أفريقيا الوسطى، على خلفية الدفاع عن المسيحية، أواخر تسعينات القرن الماضي بدعم من الدولة، كوحدات دفاع ذاتي بغرض حماية المجتمعات المحلية من هجمات قطاع الطرق أو لصوص الماشية. ولم تعبر في بدايتها عن أي انتماءات سياسية أو دينية، بل كانت مكملة لقوة الدولة ولجهازها الأمني، على أن حركة بوكو حرام المسلمة ظهرت كردة فعل.

لكن الحركة سرعان ما وقعت فريسة بيد سياسية خفية، تلاعبت بها بهدف تقويض دعائم النظام المسلم الحاكم لصالح إعادة النظام المخلوع، نظام فرانسوا بوزيزي، للحكم مرة أخرى. حيث نجح بوزيزي وأعوانه في تصوير الانقلاب العسكري، ولأول مرة في تاريخ البلاد، باعتباره تحديا لمعتقدات الأغلبية المسيحية ولهيمنتها السياسية والاجتماعية.

واستغل الروابط الدينية لحشد التأييد ضد السلطة الجديدة، وتعبئة الأغلبية المسيحية -بمن فيها معارضو نظامه- وراء حركة أنتي- بالاكا باعتبارها المدافع الأول عن المسيحية في أفريقيا الوسطى ضد السيليكا وحلفائها المسلمين. وبهذا نجح بوزيزي في إضفاء الشرعية على كل ما ترتكبه الحركة من أعمال عنف ضد الأقلية المسلمة، وتحول المسلمون إلى العدو الأول والمستهدف الرئيس من أعمال أنتي- بالاكا الانتقامية.

الانتهاكات التي ارتكبتها السيليكا، وأعمال العنف التي استهدفت المدنيين المسيحيين، عززت خطابا معاديا للمسلمين

ومع تصاعد قوة الحركة من جهة، وإضعاف قوة تحالف السيليكا نتيجة لتدخل القوات الدولية الفرنسية والأفريقية لحماية المسيحيين وفرض الاستقرار من جهة أخرى، تحولت الحركة إلى وحش كاسر انجرف في موجات انتقامية خرجت عن سيطرة النظام والمعارضة، بل والقيادات الدينية المسيحية في الوقت ذاته. وبعد أن كانت مهمة الحركة الدفاع عن الأهالي والمواطنين، أصبحت هي نفسها خطرا على المواطنين المسلمين العزل، ولم يعد لأي طرف، بما في ذلك القيادات الدينية المسيحية، سيطرة حقيقية عليها وعلى ما يرتكبه أفرادها من جرائم ضد الإنسانية، تحت ستار حماية الدين المسيحي من الخطر الإسلامي.

اتحدت هذه الجماعات تحت راية واحدة وقدمت “لأنتي- بالاكا” الدعم العددي والدافع السياسي والأيديولوجي ضد تحالف السيليكا. وعلى الرغم من الاختلاف في أهدافها من وراء الانضمام للحركة، فإنها اتفقت على القضاء على السيليكا وأنصارها من المسلمين، من خلال اتباع نهج وحشي في التعامل مع أنصارها ومؤيديها وبث الرعب في قلوبهم، وكذلك على إعادة الرئيس فرانسوا بوزيزي، الذي انقلب عليه المسلمون، للحكم مرة أخرى. ونظرا لاختلاف توجهات الجماعات المكونة للحركة، اختلفت أيضا في هدفها من الانضمام حسب اختلاف مركزها ومكانتها داخل الحركة.

أما عن أيديولوجية الحركة، فمن الخطأ حصر أهداف الحركة في المكاسب المادية فقط، وإغفال وجود فكر معادٍ للإسلام. فلا يمكن نفي مشاعر الريبة والعداء التي كانت تختمر تحت السطح، بالرغم مما يشاع من انسجام نسبي بين المسلمين، وتعدادهم 15 بالمئة من السكان، وغالبية مسيحية تمثل أكثر من 80 بالمئة من السكان، يعيشون معا لأكثر من خمسين عاماً، هي تاريخ استقلال البلاد.

كما أسهم في دعم الأفكار المعادية للإسلام ما نشرته إدارة الرئيس المخلوع بوزيزي، وعلى مدى ثلاثة عهود، من خطاب ديني معاد للإسلام والمسلمين، وبإشاعة تورط الجماعات الإسلامية المتطرفة، ومنها جماعة بوكو حرام، في دعم المسلمين بالمال والعتاد بهدف تقويض أمن واستقرار البلاد. والهدف من وراء ذلك هو الحصول على الدعم الخارجي، سواء للاحتفاظ بالسلطة السياسية، أم استعادتها بعد فقدانها. والغريب أن إدارة بوزيزي نفسها، التي تنشر معاداة الإسلام، هي ذاتها التي اعتمدت على نظام مسلم، النظام التشادي، لدعم استمرارها في الحكم!

وعلى جانب آخر، عززت الانتهاكات التي ارتكبتها السيليكا، وأعمال العنف والنهب التي استهدفت المدنيين المسيحيين، والمؤسسات المسيحية، دون المساس بالمساجد ولا ممتلكات أو أرواح المسلمين، خطابا قويا معاديا للمسلمين المحليين، وللأجانب خاصة التشاديين والسودانيين، لقتالهم إلى جانب صفوف السيليكا.

أخفى من تبقى من المسلمين هويته الإثنية والدينية، فكانوا يمارسون الصلاة سراً، ولا يرتدون الجلباب الإسلامي، ولم يأمنوا التحدث علانية بغير لغة السانغو، اللغة المحلية الأولى

في الوقت ذاته، لا يمكن الادعاء بوجود أيديولوجية دينية حاكمة لتحركات أنتي- بالاكا. فبالرغم من أن أنتي- بالاكا كانت الوحيدة التي هبت للتصدي لهجمات السيليكا، وعلى الرغم من مقتل العديد من المدنيين المسلمين بسبب دعمهم، أو مزاعم دعمهم، لتحالف السيليكا، وعلى الرغم مما ادعاه بعض مقاتلي أنتي- بالاكا من الكفاح لحماية “مسيحيي أفريقيا الوسطى”، فقد نفت قيادات الكنيسة هذه المزاعم.

وبحلول يناير 2015، وصل عدد النازحين من المسلمين إلى المليونين، وأصبح ما يقرب من الثلاثة ملايين في حاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة. أما باقي مسلمي البلاد، فقد تم تحديد إقامتهم في تسع مناطق فقط في وسط وغرب البلاد، مع منع تدفق المعونات الغذائية أو غيرها إليهم.

ونتيجة لهذا، أخفى من تبقى من المسلمين هويته الإثنية والدينية، فكانوا يمارسون الصلاة سراً، ولا يرتدون الجلباب الإسلامي، ولم يأمنوا التحدث علانية بغير لغة السانغو، اللغة المحلية الأولى، أو الجباية، لغة أكبر الجماعات الإثنية في البلاد. كما لم يأمنوا الانتقال إلى خارج مناطقهم المحلية سواء للعمل أو التجارة في مناجم الماس، وهي المهنة التي طالما سيطروا عليها كوسطاء، بالإضافة إلى امتلاكهم للعديد من الشركات التجارية التي سلبها منهم المسيحيون.

فالشمال المسلم من جهة، ممثلا في تحالف السيليكا، يسعى للسيطرة على الموارد الاقتصادية وضمان استمرار هيمنة الوسطاء المسلمين على تجارة المناجم، وسلطتهم على عمال المناجم المسيحيين منخفضي الأجر الذين لا يستطيعون تغيير حرفتهم بالرغم من ضعف عائدها، ومكاسبهم المحدودة منها إما لجهلهم بالقيمة الحقيقية للماس، أو لارتباطهم بعقود مع الممولين يبيعون بمقتضاها الماس بأثمان بخسة. فهم بهذا فريسة فخ من الفقر لا يمكنهم الفكاك منه. بينما يسعى الجنوب المسيحي من جهة أخرى، ممثلا في أنتي- بالاكا أو في النظام الحاكم، إلى كسر هذه السيطرة لضمان التفوق الاقتصادي والهيمنة السياسية، وذلك بإجبار المسلمين على التخلي عن ممتلكاتهم ومغادرة المدينة أو مواجهة الموت.

13