أنت لن تهزم إسرائيل بفيلم

الأربعاء 2015/09/09

يقف السينمائي الحقيقي دائما خارج منظومة السلطة، أي أنه لا يصنع الأفلام طبقا لما تطلبه منه السلطة في بلاده، أو بتكليف من “الحكومة”. وعندما يفوز فيلمه بجائزة ما في مهرجان من المهرجانات، يجب أن ينسب النجاح إليه وحده وليس إلى البلد الذي ينتمي إليه، كما تفعل الصحافة وأجهزة الإعلام المنتشرة في العالم العربي.

وعندما يفشل الفيلم في الحصول على جائزة من الجوائز، فليس معنى ذلك أن بلده قد فشل، وأن بلدا آخر انتصر.. فهذه المفاهيم المتخلفة هي التي تساهم في صنع أساطير وهمية، وتدخلنا في معارك وهمية من صنعها، فيقال مثلا إن “إسرائيل انتصرت علينا في مهرجان كذا.. أو إننا هزمنا إسرائيل بفيلم كذا.. أو إن المؤامرة الصهيونية كانت السبب في فوز فيلم إسرائيلي.. وكلها من إفرازات العقل العاجز!”.

إن الإبداع الفني عموما، هو إبداع فردي، يخضع لإرادة ورؤية وتصورات، أو حتى حسابات أفراد، وليس نتيجة “مؤامرات” أو اتفاقات تعقدها الحكومات وأجهزة الاستخبارات من أجل تصدير صورة معينة إلى العالم.

والحديث عن أن هوليوود تخضع للتوجيهات الحكومية أو للسياسات الرسمية الأميركية، هو حديث يصدر عن خيال تعشش فيه نظرية المؤامرة التي ستقود بكل تأكيد إلى انتشار ظاهرة “التخلف العقلي”!

صحيح أن في هوليوود مكتبا للمخابرات المركزية يتدخل في توجيه النصح أحيانا في ما يتعلق بمعالجة بعض الأفلام لعمل المخابرات في قضايا معينة، كما كان الأمر عند إنتاج فيلم “قتل بن لادن”، أو كما حدث في فيلم “أرغو” عن اختراق عميل مخابرات أميركي إيران، لإنقاذ ستة من الأميركيين الذين أفلتوا من عملية احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية.

ومع ذلك فالسينما التي تنتج في هوليوود لا يتم توجيهها بشكل مباشر لكي ترسم صورة معينة للآخر، فقد كان هذا يحدث، على نطاق محدود للغاية، في عصر الحرب الباردة، إلى أن أصبحت صورة الآخر لدى هوليوود تخضع للكثير من المؤثرات الأخرى، منها ما تنشره الصحف وتبثه وسائل الإعلام عمّا يقوم به الآخر نفسه!

لا شك أن الإعلام الغربي لم يخترع مثلا ما يسمى بـ”تنظيم الدولة” أو داعش، والأحق أن يسمى بـ”تخريب الدولة”، فالظاهرة فرضت نفسها بأفعالها على الإعلام وعلى العالم كله، ولن يكون مستغربا أن يظهر غدا فيلم عن هذه العصابة الوحشية!

وقد تجاوز الإنتاج السينمائي الإسرائيلي نفسه مرحلة الدعاية المباشرة التي كانت ضرورية في العشرين سنة الأولى بعد قيام الدولة، عندما كانت مهمة الإنتاج السينمائي للأفلام الصهيونية الموجهة تسند إلى شخصيات من غلاة الصهاينة الذين شاركوا بأنفسهم في الحروب ضد العرب من أمثال مناخيم غولان وغيره.

أما الآن، فقد أصبحت العملية السينمائية تخضع بالكامل لتوجهات الأفراد من السينمائيين، فمنهم من لا يزال مخلصا للأفكار الصهيونية التبريرية، ومنهم من ينتقد السياسة الرسمية في إطار قناعته بحق الآخر- الفلسطيني في العيش في دولته المستقلة.

في المقابل ولكي ينجح الفيلم ويفرض نفسه على لجان التحكيم الدولية في المهرجانات، يجب أن يتمتع -أساسا- بمستوى فني جيد يثير اهتمام النقاد والصحفيين والجمهور متعدد الجنسيات، مهما كان مضمونه ورسالته، وسواء أعجبتنا أو لم تعجبنا.

أنت لن تهزم إسرائيل بفيلم، ولا بجائزة، ولن تتفوق عليها حضاريا إلاّ بدعم منظومة ثقافية شاملة تقوم على العقل، وعلى حرية الإبداع والفكر، وإطلاق العنان أمام المبدع العربي، بعيدا عن الدعاية الفجة المباشرة، وعن استجداء الجوائز.

ناقد وكاتب سينمائي من مصر

16