أنثروبولوجيا الأنوثة

الخميس 2017/05/25

يضعنا الباحث محمد غازي الأخرس في قلب الأنثروبولوجيا الاجتماعية العراقية، حينما يختار قصّخون الغرام ليروي لنا عن متخيل العشاق وأنثروبولوجيا الأنوثة في القصص القديمة والحديثة معززة بالوقائع الشفاهية والأثر المكتوب شعريا على وجه الخصوص والشواهد الإسمية التي دخلت ميدان العشق والغرام من بابه الواسع بنقاء القلب وصفاء الضمير.

ولأن الأنثروبولوجيا العامة تدرس سلوك الإنسان ماضيا وحاضرا بكل تفصيلاته الصغيرة والكبيرة فإنّ الأنثروبولوجيا الحضارية أو الثقافية تدرس ما يتعلق بما أنجزته الشعوب من وسائل متعددة لتقويض الفجوة بينها وبين الزمن، لذلك تطورت وسائلها البدائية من مساكن وألبسة وأزياء وطرز معيشة وزينة وآداب وفنون وخرافات وشفاهيات ومرويات شعبية وكل ما يتعلق بالسِيَر الاجتماعية التي تترك وراءها أثرا يتعاقب الرواة بترديده مع تعاقب الأجيال؛ ومن هذه الأنثروبولوجيا الحيّة يأتي كتاب الأخرس (قصّخون الغرام) مع هامش دلالي تابع على الغلاف (في متخيل العشاق وأنثروبولوجيا الأنوثة) الصادر حديثا عن دار التنوير والذي وظّف فيه المتخيل العشقي العراقي والعربي عبر رموز شعرية وأدبية وغنائية مستطلعا مثل هذا الأفق الشعبي والفولكلوري الذي يكاد يتوارى في عصر الحداثة الإلكترونية ومتطلبات التآليف السريعة التي نشهدها بطريقة مباشرة.

ولأن الأنثروبولوجيا العامة تدرس سلوك الإنسان ماضيا وحاضرا بكل تفصيلاته الصغيرة والكبيرة فإن الأنثروبولوجيا الحضارية أو الثقافية تدرس ما يتعلق بما أنجزته الشعوب

والقصّخون هو الراوي للحكايات الشعبية في المقاهي والمجالس الخاصة، الذي يظهر كثيرا في السرديات الروائية العربية كراو عليم بصوته المنفرد العارف بمجريات القص والحكي والتلوين عليه بالتشويق والإثارة التي لا تخلو من الحكمة والهدف النبيل.

والأخرس في هذا الكتاب وبالرغم من أنثوية الملامح العامة لهذا التأليف الجميل يرى أنه يتتبع الصورة المزدوجة في براعة المتخيل الذكوري الوجداني في تعبيريته عن الرديف الآخر وهو الأنثى في (مجاز صغير، دهليز عابر لمتحف كبير ومعقد يحوي متخيل العشاق)، وهو ما يرويه الأخرس في ثمانية فصول متعاقبة ومدخل إنشائي فيه شاعرية العشق بوصفه الحالة الأكثر ألما وإيلاما في ذكر المحبين والمحبات على غرار كتب التراث العربي التي تشكل متحفا رومانسيا وجنسيا لهكذا موضوعات لا تموت.

في تحريه لمواقع البحث يقود المؤلف فصوله متوزعة بين الريف والبادية، فهذان المكانان هما الأكثر احتكاكا بالعشق وحكاياته العذراء الفريدة بسبب انعزالهما عن الحياة الحضرية أو المدنية وضيق مساحة العلاقات العامة التي لا يوفرهما الريف ولا البادية، لهذا جاء قصّخون الغرام حافرا في تلك الهوامش المنسية التي قد تندثر بفعل التراكم الحياتي وتعقيداته، منطلقا من البيئة القروية وحكايات عشاقها المنسيين ولكن بحفريات أكثر عمقا حتى في المفردة المحلية التي لها إشاراتها ودلالاتها الاجتماعية والحكائية أيضا.

نساء ورجال عشّاق حتى آخر المدى. بعضهم نعرفهم بالسماع أو تحولت قصصهم الغرامية إلى مسلسلات تلفازية كنمر بن عدوان، وبعضهم لم نسمع بهم، فهذه أول مرة نسمع بعاشقَين اسمهما فوزية وجبار في قصة حب تكاد لا تصدّق لولا شهود الرواية ومأثرة الحبيبين في مناسبة دينية شهيرة، ولم نعرف أن عبدالأمير الفتلاوي كشاعر شعبي له قصة حب عجيبة مع زوجته التي قال فيها قصيدة تُبكي الصخر والحجر لعذوبتها الفائقة وتركيبها الشعري المختلف ورومانسيتها غير المعتادة بقصائد الغزل الشعبية. ولو كان الغزل الشعبي اعتمد على لوازم قديمة وتقليدية فإن مظفر النواب جاء بقصائد جديدة تتناسب مع عاشقات في عصر الحداثة، فالعاشقة “النوابيّة” الجديدة (ستبدو مستلهَمة من عصر الحداثة..) مع بقائها رهيفة الحس بالقوام الغرامي ذاته وبالقلب العاشق المتيم، لكن بـ(تمركزها حول الأنساق الذكورية ذاتها..).

يقف قصّخون الغرام على قصص فريدة عراقية وعربية من دون أن يغادر مركزية العشق وأنساقه المتوارثة، مثلما تتحدث الفصول الثمانية عن أجمل الأشعار الغزلية المؤلمة والجميلة عن فراق العشاق والمحبين في واحد من أجمل الحفريات الأنثروبولوجية التي قام بها محمد غازي الأخرس فاستحق جائزة الدولة للإبداع في هذا الحقل وعن جدارة.

كاتب عراقي

14