أنجم تشودري داعية مدجج بأسلحة الكراهية

السبت 2016/08/20
مهاجر باكستاني يريد بريطانيا دولة إسلامية في العام 2050

عمّان - قفز اسم الداعية البريطاني -من أصول باكستانية- أنجم تشودري، الثلاثاء الماضي، إلى أول مانشيتات الصحف وعناوين الأخبار، حيث أعلن أن محكمة “أولد بيلي” قد قضت بإدانة الداعية المتشدد بالترويج لتنظيم داعش الإرهابي بعد محاكمة استمرت أشهرا، وأدانت المحكمة الداعية المثير للجدل بعد سنوات من التكهنات التي تشير إلى أنه كان من المؤيدين للتنظيم الإرهابي، وهذا ما قد يودي به خلف القضبان لعشر سنوات.

تشودري عاشق أضواء ظَلّ يُطلق تصريحات غير مهاودة، خلال العقد الماضي، تؤيد بشكل مدروس المنظمات الإرهابية ونشاطاتها، ونقول مدروس؛ لأنه أجاد السير على الحافة، ولعله عشقَ تلك المساحات المفعمة بالمغامرة المحسوبة، فظل يتأرجح في دائرة الضوء من دون أن يقع، فهو محام يعرف القوانين البريطانية جيدا، لكن من يعمر قلبه عشق الأضواء، ربما كان، لا بد له من أن يتحمل ما قد ينجم عن عشقه من لسعات واحتراق.

لم يخفِ تشودري شغفه بدولة البغدادي الإسلامية، وأعلن موقفه من إعلان قيام “الدولة الإسلامية” في تغريدة له على موقع تويتر “أسأل الله أن يوفق الخليفة”. كما أعلن رغبته في التخلي عن الجنسية البريطانية والالتحاق بداعش هو وأطفاله، لكنه اشترط على الحكومة البريطانية أن تؤمّن له الطريق إلى “المدينة الفاضلة”، حسب معاييره، ويدافع عن موقفه هذا بأنه لا يخالف القانون، بل يدعم مفهوما سياسيا لا جماعة إرهابية محددة تقف وراء هذا المفهوم.

الملف الأمني

أيّد هجمات 11 سبتمبر 2001 ووصف خاطفي الطائرات بـ”الأحد عشر رائعا”، وأعلن صراحة تأييده للهجوم على صحيفة شارلي إيبدو، واصفا الهجوم عليها بأنه “من حبّ الرسول”، وكان نجم شاشات مهمة بريطانية وعالمية؛ دخل في جدالات حادة مع مناظريه، رافضا غير مرة حشره في زاوية الإدانة لأعمال إرهابية، فتفلّت بذرائع وحجج طالما كرّرها، انحصرت عموما في كون هذه الممارسات إنما جاءت كردود فعل على سياسات الحكومات الغربية.

لكنّ تشودري يصنف نشاطاته، في إطار الدفاع عن نفسه، بأنها مجرد نشاطات سياسية وأيديولوجية لا تتجاوز سقوف حرية الرأي التي يتمتع بها كمواطن إنكليزي.

راجعت شرطة سكوتلاند يارد معلومات استخباراتية عمرها عشرون عاما حول أنشطة تشودري. فتوصلت من خلال هذه المراجعة إلى دليل الإدانة المستند إلى المادة 12 من قانون مكافحة الإرهاب للعام 2000، وبناء على ذلك وجهت التهمة لأنجم تشودري، ليس بسبب معتقداته في تأسيس “دولة إسلامية”، لكن لأنه دعا آخرين لدعم تنظيم “الدولة الإسلامية”.

صحيح أن ملفه يخلو من أيّ قيود سابقة، غير أنه شارك بمظاهرة غير مرخّصة، وكان على الدوام رفيقا للمطلوب في بريطانيا المعتقل في لبنان عمر بكري فستق، حيث انشق فستق عن حزب التحرير وأسّس مجموعة من المنظمات التي أغلقت جميعها تباعا، بسبب الاعتقاد بأنها كانت الحاضنة أو المفرخة للإرهابيين.

ويشتبه في أن يكون هو ومحمد رحمن قد قاما بالتجنيد لحساب مجموعات إرهابية منذ أكثر من 20 عاما، وكانا قد اعتقلا في سبتمبر 2014 في إطار تحقيق حول علاقاتهما المفترضة بمنظمة “المهاجرون” الإسلامية.

جماعة “المهاجرون” التي كان تشودري الناطق الإعلامي باسمها، نظمت العديد من المظاهرات المعادية للغرب من بينها مسيرة تظاهرية محظورة في لندن أدت إلى استدعاء تشودري إلى المحكمة. تم حلّ المنظمة لاحقًا بعد أن أخذت الحكومة البريطانية قرار حظرها.

صورة تنشرها وكالات الأنباء تزعم أنها تعود لتشودري في مرحلة الشباب حين كان طالباً غير متشدد لا يطمح إلى أسلمة العالم ونشر أفكار الإرهاب وعلاقته بالشريعة

وكان فيها نحو خمسين عضوا، التحق أكثر من نصفهم، حسب بعض التقارير الصحافية، بمنظمات إرهابية في الشرق الأوسط، نفذ بعضهم عمليات إرهابية في أوروبا.

الارتباط الاستخباراتي

حين أغلقت السلطات البريطانية “المهاجرون” أسس تشودري وفستق “الجماعة الناجية” و”الأغراب”. كما عمل متحدثًا باسم الجماعة الإسلامية “الإسلام لبريطانيا” إلى أن حُظرت في الرابع عشر من يناير 2010 ، وكلها منظمات أو هيئات شكلت منصة لإطلاق أفكار الكراهية حسب التوصيفات الرسمية.

لا يُخفي تشودري إيمانه بـ”الخلافة الإسلامية”، وبأن الشريعة يمكن أن تُطبّق في دول كثيرة منها بريطانيا وأميركا، ومع أستاذه عمر بكري أسسا محاكم شرعية في أجزاء من شرق لندن، على طريق أن تصبح بريطانيا، حسب اعتقاده، دولة مسلمة تخضع للشريعة الإسلامية بالكامل في عام 2050.

كان أول ظهور إعلامي للداعية تشودري عام 1999، عندما أجرت جريدة “صنداي تلغراف” مقابلة معه وقدمته فيها على أن له دورا في حث الشباب المسلم على الخروج من إنكلترا للقتال والجهاد في الخارج.

يأخذ بعض الدعاة الإسلاميين عليه جرأته على محمل من الشك في الدور الذي قام ويقوم به منذ بداية نشاطاته الدعوية، حيث أنه بدأ بالتحريض العلني للشباب في الأوساط الإسلامية في المجتمع البريطاني، ودعاهم علنا إلى الالتحاق بالقاعدة أو الذهاب إلى دول البلقان، ومؤخرا إلى العراق وسوريا. لكن هناك معلومات سربتها وسائل إعلامية عن أكثر من عشرين لقاء جمعته ومحمد بكري بأجهزة “إم آي 6” و”إم آي 5”.

لكن؛ ممّا لا شك فيه أن تشودري استغل مساحة الحرية في المجتمع الإنكليزي، إضافة إلى مهاراته الخطابية وخلفياته الدينية والقانونية في تشكيل حالة من الدعوة، ليس الدين الإسلامي غايتها الوحيدة، فلقد ظهر على الرجل حبّه للشاشات والمنابر، وتمتع بشعبية في أوساط المهاجرين، فلقد دعا الملكة إليزابيث إلى الدخول في الإسلام، وأعلن مرارا رغبته بتطبيق أحكام الشريعة، ولقد قام في إحدى الفعاليات بفصل الرجال عن النساء، ما أثار تذمّر تلاميذه ومريديه.

لكنّ سؤالا ربما لم يخطر على باله؛ إلى أيّ درجة قدّم كداعية الإسلام بصورته الصحيحة؟ بمعنى؛ ما هي الخدمات التي قدمها للإسلام في حين أنه لم يتوانَ عن تأييد الإرهابيين وأفعالهم؟ بل ذهب إلى تقديم تعريف جديد للإسلام، حيث يقول إن الإسلام لا يعني السلام، بل الاستسلام لنصوص وتعليمات ثابتة لا مجال لتحريكها”.

(الخلافة الإسلامية) لا يخفي تشودري إيمانه بها، وبأن الشريعة يمكن أن تطبق في دول كثيرة منها بريطانيا وأميركا، ومع أستاذه عمر بكري أسس محاكم شرعية في أجزاء من شرق لندن، على طريق أن تصبح بريطانيا، حسب اعتقاده، دولة مسلمة تخضع للشريعة الإسلامية

أفكار تشودري

أيّ خدمات تلك التي يقدمها مثل هؤلاء الدعاة لصورة الإنسان المسلم في المجتمعات الغربية، وأيّ تكاليف ستتحملها الجاليات الإسلامية والعربية في هذه المجتمعات من جراء شطط وتطرف هؤلاء الدعاة؟

يرى تشودري الإسلام من زاوية متطرفة، تسعى للسيطرة على العالم، فهو يعتقد أن الحكم بالشريعة يجب أن يسود حياة الشعوب كلها، ولا يتورع في هذا المضمار عن إطلاق الفتاوى والأحكام التي تطال الجميع، على مر الأزمان والحضارات.

يرفض جميع الأوصاف التي تُطلق على ممارسات تنظيم داعش، من قتل وغيره، ويدافع صراحة عن عمليات الذبح التي يقوم بها، كما يقر بأن أبا بكر البغدادي “خليفة كل المسلمين وأمير المؤمنين”.

حاورته صحيفة “الجارديان” مستعرضة آراءه في مجالات مختلفة، وعلقت بأنه يحمل “أفكارا بغيضة”، وأضافت؛ لكنه مثل العديد من مئات المسلمين البريطانيين، يؤمن بالقتال مع داعش وجماعات جهادية أخرى.

يقدّم تشودري نفسه على أنه “لاعب مهم في المشهد الإسلامي الدولي”، ويشير إلى أن الأمن البريطاني متنبّه له جيدا، وربما قصد العكس، أي أنه هو المتيّقظ للأمن، حيث لم تتم إدانته بجريمة لها علاقة بالإرهاب، وطبعا هذا الحديث سابق لمحاكمته الأخيرة.

ويقول إنه لا يعرف أيّ بريطاني ظهر في فيديوهات “الإعدام” التي تمت من قبل “داعش” رافضا إدانة تلك العمليات التي تقوم بها الجماعة بل يؤيدها. ويضيف “هناك ظروف في الشريعة تفرض عقوبة كبيرة على بعض الجرائم، الآن لا أعرف أيّ شيء عن هؤلاء الصحافيين، لِمَ كانوا هناك، فيمكن أن يكونوا جواسيس”.

ومن يتابع حوارات تشودري وما ينشر من فيديوهات، يلاحظ أنه يمارس الإنكار باستمرار، إنكار يهدف منه إلى التملص من التنكّر لأعمال داعش.

تشودري يرى الإسلام من زاوية متطرفة

صورة المستقبل القاتمة

الآن؛ ربما يقضي تشودري عشر سنين، تنقص أو تزيد، خلف القضبان. لكن من المؤكد أنه لن يهدأ أو يستكين، ففي تصريح سابق له، هدد بأنه في حال تم سجنه، فسيمارس “الإصلاح” في السجون.

وبالرغم من تفاؤل وزيرة الداخلية البريطانية، إلا أن المشكلة لن تُحلّ جذريا إلا بانتزاع شأفة الإرهاب، المتمثلة في سياسات الظلم ودعم الأنظمة الدكتاتورية التي تقوم بها الأنظمة “المتحضرة”.

فوزيرة الداخلية البريطانية، أمبر رود، ترى أن إدانة كل من تشودري ومحمد رحمن تقدير لجهود الشرطة والأجهزة الأمنية الدؤوبة للحفاظ على أمن الناس في “هذا البلد” أي بريطانيا، لكنها لم تصل بتحليلها إلى الأسباب الحقيقية التي تدفع الشباب إلى الاستماع لهؤلاء المتطرفين.

واكتفت بأن أضافت، أنهما، عن تشودري ومحمد رحمن، شخصان خطيران كانا يقومان بتجنيد الناس لمصلحة تنظيم داعش وتسميم عقول أشخاص ضعفاء، كما أن دعايتهم المحرّفة والمشوّهة قدّمت الدعم والعون لمنظمة إرهابية قاتلة وهمجية.

فإلى متى تبقى معالجة موضوع الإرهاب عاجزة عن القبض على الأسباب الجذرية، وتقف فقط عند النتائج؟ إذ لا يمكن القضاء على الإرهاب من دون أن تتبنى الدول الكبرى سياسات جادة تكافح القهر والفقر والتمييز.

12