أنجم تشودري مارد التطرف الذي أخرجته وسائل الإعلام من مصباحه

صنعت وسائل الإعلام البريطانية شهرة واسعة لداعية غير معروف وأمّنت له منبرا يطلق منه رسائله كيفما يشاء فسطع نجمه، فيما سارعت بعض القنوات الفضائية للحصول منه على تصريحات مثيرة تجذب انتباه الجمهور. وفي كل مرة يشعر فيها أنه بدأ يبتعد عن الأضواء قليلا، كان يجد طريقا آخر يلفت به أنظار الإعلام إليه مرة أخرى.
الجمعة 2017/06/09
الإعلام غير المسؤول منح التطرف الفرصة التي ينتظرها

لندن - حظي أنجم تشودري، مؤسس وقائد جماعة “المهاجرين” المتشددة والمحظورة الآن، بشهرة مذهلة انتقلت به من اللاشيء إلى أستوديوهات “بي بي سي”، حتى أنه لم يكن هناك حوار تلفزيوني حول الإسلام إلا وتشودري جزء منه، فساهمت القناة في منح الرجل المتطرف فرصة ذهبية للشهرة الواسعة واستقطاب الأتباع.

ويبرز اليوم اسم أنجم تشودري في وسائل الإعلام بأنه “واعظ كراهية” مشهور، أو كما أرادت له وسائل الإعلام أن يكون، بينما كان مجرد داعية مجهول يجوب الشوارع حتى حظي بتلك الشهرة.

وتقول الكاتبة والصحافية نسرين مالك في مقال نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، لم أسمع أبدا عن أنجم تشودري حتى رأيته على شاشات التلفزيون البريطاني.

وأضافت مالك كان الأمر أشبه بسؤال كاهن كنيسة ويستبورو الأميركية عن وضع وشرح منهاج المسيحية، وأراهن أن الكاهن وقتها كان يحظى بعدد متابعين أكثر من تشودري عند أول اكتشاف له من قبل وسائل الإعلام.

كان الجدل حول تشودري بخصوص المنبر الذي منحته إياه وسائل الإعلام لنشر الدعاية المتطرفة قد خفت بعد مرور أشهر على إدانته لدعمه تنظيم داعش، لكنه عاد اليوم بقوة مع ورود أنباء عن وجود صلة بين أعمال العنف الإرهابية التي حدثت على جسر لندن وبين شبكة علاقاته الخاصة مع الجهاديين.

في المرة الأولى التي قابلت فيها أنجم تشودري في الحياة الحقيقية، شعرت بالاندهاش لسبب واحد، وهو كيف جذب هذا الرجل الانتباه وحظي بتلك الشهرة الواسعة بالرغم من أنه لم تكن ذي أهمية في البداية.

بدا أنه يعرف جيدا كيف يتلاعب بوسائل الإعلام، وطالما هذا ما أرادته. كانت لديه البراعة في حشد مجموعات من الداعمين ذات الأصوات والهتافات العالية والزج بها أمام كاميرات التلفزيون وعدسات المصورين. ووجد المذيعون والناشرون حينها أنفسهم في خضم هذا المشهد اللافت للنظر.

نسرين مالك: رسالة تشودري المتطرفة لم تنتشر عبر دور العبادة بل من خلال بي بي سي

وعلى الرغم من مؤهلاته الضعيفة وعدد متابعيه القليل في البداية ظهر على شاشات العديد من قنوات التلفزيون منها بي بي سي نيوزنايت، وبي بي سي نيوز، وراديو 4 توداي، والقناة 4، وجي إم تي في، وسي إن إن وسي بي إس نيوز، ناهيك عن الصحف. فقد استقبلته وسائل الإعلام حينما كان مجرد داعية غير مشهور وأحاطته بتلك الهالة التي أكسبته الكثير من النفوذ والسلطة.

كانت القنوات تتنافس للحصول منه على تصريحات محرضة للأوساط، وفي كل مرة يشعر فيها أنه بدأ يبتعد عن الأضواء قليلا، كان يجد طريقا آخر يلفت به أنظار الإعلام إليه مرة أخرى.

وقاد في أواخر عام 2013 العشرات من أتباعه في “مسيرة ضد الكحول” في شرق لندن، حيث كان يعيش الآلاف من المسلمين في الحانات والبارات لسنوات عدة. تناولت على إثر تلك المسيرة جميع الصحف الرئيسية في البلاد تلك القضية، على الرغم من أن أعداد الشرطة في منطقة شرق لندن كانت تفوق أعداد مؤيدي جماعة “المهاجرين”.

وعندما تمت إدانته في العام الماضي، أصبح تشودري شخصية عامة، كما أن اهتمام وسائل الإعلام به والذي صنع منه شخصية مشهورة، جعله مكتفيا ذاتيا. فقد ابتعد هو وأتباعه عن المساجد وتجنبها، لكن الحقيقة اللافتة أن رسالة الرجل المتطرف لم تنتشر عبر المنابر في دور العبادة بل انتشرت من خلال أستوديوهات قناة بي بي سي.

عاش الصحافيون والناشطون المسلمون سنوات من الغضب والإحباط بسبب ذلك القدر من الاهتمام الذي كانت تعطيه وسائل الإعلام لذلك الرجل. وتحدث الكثيرون عن أنه واجهة غير كفأة وغير مؤهلة، وقاطعوا مشاهدة البرامج والعروض التلفزيونية التي دُعي إليها.

وفي عام 2010 أدان مهدي حسن “وسائل الإعلام المحرضة للرأي العام وغير المسؤولة” التي كانت متواطئة بشكل كبير في عملية صعود هذا المتعصب.

وأشارت نسرين مالك إلى أنها كتبت في عام 2009 تقريرا شديد اللهجة عن جماعة “المهاجرين” الذين تتودد إليهم وسائل الإعلام وقالت “إنني أراهم مزحة كبيرة لأنهم كانوا يعرفون جيدا كيف يلفتون الأنظار إليهم”.

لم يستطع أحد من المطالبين بوقف ظهور المتشددين في وسائل الإعلام أن يوقف ما كان يحدث، فعلى ما يبدو كان اختيار تشودري من قبل المحررين والكتاب ووسائل الإعلام مُتعمّدا. ولكن البعض الآخر من المذيعين والصحافيين مثل جيمس أوبراين، أدانوا تلك الأفعال من وسائل الإعلام لسنوات عدة.

وفي العام الماضي ذُكر أن مقدم الراديو إيان لي لاقى هجوما عنيفا فور إلغائه مقابلة مع تشودري على بي بي سي ثري كنتريز راديو.

ومع ذلك، لم يتعلم أحد الدرس. كان تشودري خير مثال لمحور أي نقاش مع مذيعين أو مذيعات معروف عنهم الكراهية والتعصب مثل كاتي هوبكنز.

لقد فات الأوان لإعادة هذا “الجنيّ” إلى مصباحه، ولكن الوقت مازال أمام وسائل الإعلام للبدء في تحمل مسؤولية اختياراتها الفقيرة التي تخلف آثارها على العالم الحقيقي والتي يمكن أن يكون إزهاق الأرواح ثمنا لها، إذ لم يقتصر الأمر فقط على تشودري.

فقد ظهر أيضا خورام بوت، أحد منفذي هجوم لندن الأخير، حاملا علم تنظيم داعش في فيلم وثائقي عُرض على القناة الرابعة حول الجهاديين في بريطانيا، وهو ما دعا الكثير من البريطانيين للتساؤل حول أسباب تجاهله على الرغم من معرفته من قبل الأمن.

18