"أندرومان من دم وفحم" فيلم مغربي يتناول قضايا الإقصاء والتهميش

الجمعة 2014/08/08
الفيلم قراءة تحليلية لمفارقات المغرب العميق

يتناول فيلم “أندرومان من دم وفحم” لمخرجه عزالعرب العلوي، قضايا الإقصاء والتهميش في أبعادهما الإنسانية والروحية بطريقة تتحاشى الابتذال، غايتها هو أن تسلك طريق التعبير الجمالي البسيط الذي ينفذ خطابه إلى القلوب دونما حاجة إلى تكلف في التعبير الدرامي، مدفوعا برؤية المخرج الخاصة لظواهر وكوامن الأشياء.

إن اختيار عزالعرب العلوي “أندرومان من دم و فحم” كعنوان لفيلمه كان اختيارا صائبا، لأن ذلك يعني، في نظرنا، إقامة علاقات تقابلية بين الطبيعة من جهة والإنسان وثقافته الموروثة من جهة أخرى. فينبغي التذكير أن “أندرومان” هو اسم يعني الشجرة باللغة الأمازيغية، وفي نفس الوقت هو اسم لفتاة أمازيغية شاء لها قدرها أن تلعب، منذ ولادتها، دورا ذكوريا استجابة لأعراف وتقاليد بالية نجدها قد أقصت النساء في المجتمع الأمازيغي من الحق في أراضي الجموع.

أما اختياره لمنطقة بولمان القابعة في أعالي قمم جبال الأطلس، فإنه يعني ذلك اختيار فضاء يغري بجمالياته الطبيعية الخلابة، ويكشف عن أسرار يحبل بها وسط اجتماعي وثقافي معبر عن مغرب عميق. مغرب المفارقات والعجائب، حيث تطفو على مسرح الأحداث الوضعية المزرية للمرأة القروية، و كأنه بذلك يضعنا، كمتلقين، في مفارقة جامعة بين الحس الجمالي والقساوة كما نسجتها منذ قرون أعراف وقواعد سلوكية بالية.

والفيلم، كما سنرى عند تحليل مشاهده الأكثر جمالية على مستوى التلقي ومستوى التقنية ومستوى التعبير، هو حمولة سيميولوجية تفيض بالمعاني تنعش الذاكرة والوجدان وتوقظ في الأعماق الرغبة في التأمل وتتبع أدق التفاصيل في المقاطع الفيلمية القوية.

منذ البداية، يدخلنا فيلم “أندرومان من دم وفحم” إلى هذا العالم الداخلي لقرية نائية من قرى المغرب العميق. عالم تمتزج فيه أصوات الطبيعة بكل عفويتها وانطلاقتها الصباحية بصوت الإنسان المنسي والمقهور، الذي يحمل في طياته هموما كثيرة متراكمة، والمثقل بسلطة العادات والتقاليد وجبروت الأعراف والقواعد الاجتماعية البالية.

إنه صوت بطل الفيلم “أوشن”، ذي النبرة العنيفة والخشنة، يحث ابنه “أندرومان” وابنته “رقية” على الإسراع في المشي والسير قدما نحو الغابة، قبل أن يتفطن إليهم حارس الغابة “بوغابة” ومعاونه، أو أحد عيونهما المبثوتة في كل أرجاء الطريق المؤدية إلى الغابة.

يحاول مخرج الفيلم عزالعرب العلوي، منذ الوهلة الأولى، أن يشدنا إلى فيلمه ليجعلنا نكشف بسهولة، عبر هذه النبرة الصوتية لبطل الفيلم “أوشن” نوعا من جبرية يعاني منها إنسان المغرب العميق. جبرية قاسية ومؤلمة لا يعادلها في القسوة سوى هذا المكان الممتد الجاثم على الصدور والكاتم للأنفاس. كل هذا يظهر في الفيلم مصحوبا بموسيقى تصويرية جد رائعة، جعلت من نغمة آلة العود صوتا شجيا يحاكي، هو الآخر، شجن كل من هذه الطبيعة المدمرة وهذا الإنسان المقهور.

16