أندرو باركر رئيس الـ "إم آي 5" حائراً أمام قوانين العالم المعولم

السبت 2015/10/03
باركر والشركات الغربية الكبرى التي تسهل عمل الإرهاب

قبل أربعة أشهر، اتهم مدير شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، مايك راولي، بعض شركات التكنولوجيا والاتصالات بتقديم يد العون للإرهابين، من خلال استخدام أنظمة تصعّب عملية مراقبة المتشددين.

وأشار راولي، خلال مؤتمر في لندن، إلى ضرورة اهتمام الشركات بمسؤوليتها المجتمعية عند تصميمها لمنتجات تصعّب على السلطات الحصول على المواد التي تحتاجها أثناء عمل التحريات.

ورفض تسمية شركات معينة، يمكن أن تكون متساهلة مع “الإرهابيين”، وتحدث عن إدوارد سنودن، الذي كشف برامج التجسس الأميركية، قائلاً “ساهم سنودن في خلق حالة جعلت العديد من الشركات التقنية غير مرتاحة في التعامل مع سلطات تنفيذ القانون ووكالات الاستخبارات”. وكشفت وثائق سنودن عن قدرة الأجهزة الأمنية على الحصول على بيانات من شركات مثل ياهو وغوغل ومايكروسوفت، وهو ما دفع هذه الشركات لتطوير قدراتها الأمنية، الأمر الذي صعّب على السلطات القيام بعمليات المراقبة.

الأسبوع الماضي، كان المتحدث هذه المرة، هو أندرو باركر، مدير جهاز المخابرات البريطاني الأكثر شهرة عالمياً، إم آي 5، الذي اتهم الشركات الغربية، وخاصة شركات الاتصالات، بأنها تقدّم مصالحها الاقتصادية على الحرص على الأمن القومي للدول الغربية، وبالتالي فهي تتساهل مع الإرهابيين، وتغض الطرف عن نتائج التسهيلات التي تقدمها لهم، والتي يمكن أن تؤدي إلى هجمات إرهابية أو إلى تضخّم كبير في قدرات تلك التنظيمات الإرهابية التي تستخدم خدماتها.

باركر والتهديد غير المسبوق

ولد أندرو باركر في العام 1962، وهو من الجيل الشاب الذي تمرّس في العمل الحكومي معاصراً تطورات تاريخية هامة، خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، وتلقى تعليمه في كلية تشرشل في كامبريدج ودرس فيها العلوم الطبيعية، وانضم الى أجهزة المخابرات البريطانية في العام 1983. تم انتدابه للعمل في هيئة الجمارك والضرائب، ثم تولى منصب مدير المخابرات في العام 1999 قبل أن يصبح مدير قسم مكافحة الإرهاب الدولي في شتاء العام 2005 وخاض تجربة تفجيرات لندن آنذاك، قبل أن يتولى مهمة نائب المدير العام للإم آي فايف ثم مديراً للجهاز الأكثر شهرة وعراقة بين أجهزة الأمن في العالم.

المخابرات البريطانية تشعر بأن مستوى التهديدات الإرهابية أكبر من أي وقت مضى، خلال العقود الأربعة الماضية، لذلك فإن باركر يرى أن هناك مسؤولية تقع على عاتق شركات الإنترنت وأصحاب مواقع التواصل الاجتماعي، كفيسبوك وتويتر، التي يجب أن تقوم بعملية تبادل المعلومات حول مستخدميها

يطالب باركر بإعطائه الصلاحيات و السلطات اللازمة لمراقبة الاتصالات وتطبيقات الإنترنت التي يستخدمها الكثيرون حول العالم للمحادثة وتبادل الرسائل النصية، الأمر الذي من الممكن أن يؤدي إلي حظر تطبيق “واتس أب” وتطبيق “آي ماسيج” وغيرها، مستنداً إلى كلام ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء الذي يرى أن الرسائل النصية والأحاديث المشفرة خطيرة للغاية، ومن المؤكد، حسب رأيه، أنها تشكل تهديدا للأمن القومي البريطاني، بالرغم من أن هذه التقنية مطلوبة خاصة لضمان أمن العمليات البنكية المصرفية كما يقول.

تشعر المخابرات البريطانية، أن مستوى التهديدات الإرهابية أكبر من أيّ وقت مضى، خلال العقود الأربعة الماضية، لذلك فإن باركر يرى أن هناك مسؤولية تقع على عاتق شركات الإنترنت وأصحاب مواقع التواصل الاجتماعي، كفيسبوك وتويتر، التي يجب أن تقوم بعملية تبادل المعلومات حول مستخدميها، ويضيف أن هذا قد يتطلب استخدام التشفير القوي لاستبعاد أيّ شيء غير قانوني قد يحدث.

ومع أن مدير الأم آي 5، يتباهى بنجاحات قد تحققت خلال الشهور الماضية في إحباط أكثر من ست عمليات إرهابية كان قد تمّ التخطيط لها، إلا أن أحداً لا يعرف حتى اليوم ماهي تلك الهجمات، ولا طبيعة مخططاتها، يقول باركر “أنا شخصيا لا أذكر خلال مدة عملي في جهاز الاستخبارات طوال اثنين وثلاثين عاما أن أحبطت الأجهزة الأمنية ست مؤامرات إرهابية خلال سنة واحدة”، معتبرا أن التهديدات ما تزال قائمة بسبب استمرار الأوضاع في سوريا وتأثيرها على الأمن العام داخل بريطانيا.

الإنترنت سلاح إرهابي

تستعمل التنظيمات الإرهابية الشبكة العنكبوتية، لتبادل المعلومات، وأوامر العمليات، وكذلك لتنفيذ صفقات شراء السلاح، ولنشر الملفات والأفلام الترويجية للفكر الإرهابي، وجذب وتبشير القادمين الجدد إلى ساحات الإرهاب، وبهذا يصبح الإنترنت ليس فقط جسراً لتسهيل العمليات الإرهابية ولكن أيضاً وسيلة مباشرة للقتل.

وثائق إدوارد سنودن تكشف عن قدرة الأجهزة الأمنية على الحصول على بيانات من شركات مثل ياهو وغوغل ومايكروسوفت، وهو ما يدفع هذه الشركات لتطوير قدراتها الأمنية، الأمر الذي يصعب في النهاية على السلطات القيام بعمليات المراقبة

ويرى باركر أن “المنظمات الإرهابية تستخدم حاليا الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لبث خطاباتها ومحاولة تشجيع وإدارة العمليات الإرهابية بين الناس الذين يعيشون بيننا والذين لديهم رغبة واستعداد للاستماع لتلك الخطابات”.

وبهذا يصبح من الضروري كما يرى باركر أن تمتلك أجهزة الأمن في بريطانيا صلاحيات واسعة للتوغل في شبكة الإنترنت، وتعقّب الاتصالات الإرهابية، مع العلم أنه ينفي نية تلك الأجهزة مراقبة حياة الناس العاديين وشؤونهم اليومية، ولكن كيف يمكن تمييز الإنسان العادي من الإرهابي أثناء عملية التعقب وتراكم المعلومات؟

المشكلة الكبرى التي يعترف بها باركر، هي أن أجهزة الأمن التي تتبعه، لا تملك الإمكانات التكنولوجية الكافية للقيام بهذه المهمة، بحيث تراقب جميع البريطانيين، وبالتالي فإنها تقع ضحية تخلّف بنيتها عن البنية التقنية التي تتيحها الشركات الكبرى للإرهابيين.

صحيح أن عدد البريطانيين الذين سافروا إلى سوريا لم يتجاوز المئات حتى اليوم، وفق التصريحات الرسمية، إلا أن كثيرين يرون أن العدد الحقيقي أكبر بكثير، وأنه حتى لو كان العدد قليلاً، فإن هذا يشكل تهديداً حقيقياً ضد شركات الطيران وأجهزة السكك الحديدية وغيرها من الأماكن العامة، لأن النهج الفكري المتبع يستهدف إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في الضحايا والممتلكات في العالم الغربي، وهذا ما يجب منع حدوثه حتى لو تم تجاوز موضوع الخصوصية الشخصية في استخدام الإنترنت.

اقتصاد داعش والعالم المعولم

بالتوازي مع الإمكانات التقنية التي توفرها الشركات لداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، يتشكل مع الوقت نظام اقتصادي كبير ومعقد، يعمل لصالح داعش والقاعدة، بفضل عدم حسم الأوضاع في سوريا، وترك تلك التنظيمات تتغذى على النفط والغاز والثروات المختلفة، إضافة إلى قدرتها على شن هجمات ضد المصارف والمواقع الاقتصادية التي تغنم منها المزيد، ما يخوّل لها شراء ما تحتاج إليه من تقنيات، عبر وسطاء مع الشركات الكبرى.

مدير شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، مايك راولي، يتهم بعض شركات التكنولوجيا والاتصالات بتقديم يد العون للإرهابيين، من خلال استخدام أنظمة تصعب عملية مراقبة المتشددين، مشيرا إلى ضرورة اهتمام الشركات بمسؤوليتها المجتمعية عند تصميمها لمنتجات تصعب على السلطات الحصول على المواد التي تحتاجها أثناء عمل التحريات

وقد ذكر الخبراء أن داعش يعتمد نظاماً مالياً متوازناً يستفيد من تشغيل حقول النفط ومحطات الكهرباء في المناطق التي يسيطر عليها، إضافة إلى حيازته كميات من الذهب واحتياطات النقد الأجنبي كما حدث في حالة مدينة الموصل العراقية، واعتماده أنظمة الضرائب والرسوم الجمركية وبيع الآثار.

ويتردد أن داعش يحاول تشغيل متخصصين في مجالات إضافية مثل المجالات الطبية والزراعية وغيرها، وليس أدل على هذا من مستوى التقنيات التكنولوجية التي يتعمدها إعلامه، وتأسيسه لوكالات أنباء وصحف ومجلات بعدة لغات ذات جودة عالية تبشّر بالفكر الإرهابي، متحولاً إلى أغنى التنظيمات الإرهابية في العالم خلال زمن قياسي.

الشكل الذي تحوّل إليه العالم، بعد تكسير الحدود القديمة بين الدول والقارات، بات يمنح عمليات التجارة الحرة، أبعاداً أكبر من أن تتم السيطرة عليها، بمجرد المراقبة، ولا يمكن لعاقل أن يتوقع أن داعش يتطوّر ويزداد غنى، بفضل سرقاته وغزواته فقط، دون أن يكون لديه شركاء من خارج دائرة الإرهاب، يقدّمون السلع مقابل المال والنفط والغاز والآثار والذهب، أولئك الشركاء في ظل تحصين التكنولوجيا وأسرار تقدمها، لا يمكن أن يكونوا من دول العالم الثالث، بقدر ما يمكن أن يكونوا متحدرين من دول مثل الصين وروسيا وشرق أوروبا أو أميركا الجنوبية، أو حتى الولايات المتحدة ذاتها، فالمبادئ التي تم تعميمها عالمياً، بعد انتصار الفكر البراغماتي الأميركي، لا تجد مانعاً من تزويد تنظيم إرهابي بالسلاح والتقنيات المتقدمة، لتحقيق أغراض تجارية، بغطاء سياسي تبريري يقيس على موقف الرئيس أوباما ذاته، والذي يرفض التدخل لحل النزاعات بذريعة أن المصالح الأميركية تتحقق دون أن يفعل.

قال باركر كلمة الحق، وهو يرى أن أشرطة داعش الدموية يتم تناقلها على الخط الساخن للإنترنت الأميركي، وشبكات التواصل التي تدار من خلف الأطلسي، والتي تحصل على المزيد من الأرباح بمجرد مشاهدة تلك الملفات والأفلام أو تداولها بغض النظر عن تأثيرها المباشر وغير المباشر والرسائل المحتملة التي يمكن أن تكون قد ذخّرت بها،

إضافة إلى فتح الباب على مصراعيه لأعضاء تلك التنظيمات بالانتساب إلى شبكات التواصل، دون ابتكار طرق دقيقة للتعرف على هوياتهم وتحديد طيفية استخدامهم للخدمات.

ثلاثون عاماً أمضاها باركر في جهاز المخابرات البريطانية تتركه حائراً أمام تناقض العالم المعولم، الذي تختلط فيه المصالح بالضرورات القصوى للأمن، ليتساءل الرجل كيف يمكننا القيام بمهماتنا إذن، ما دام كل شيء متاحاً أمام الربح في السوق المفتوحة؟

12