أندريا رجل المافيا في الملاعب الإيطالية يصدم الجماهير من جديد

السبت 2017/09/23
ولد عاق أسقط حكم عائلة أنييلي

برلين - “عندما يبدأ جياني أنييلي بالتدخين أشعر بالخوف” كانت تلك كلمات الأسطورة الفرنسية ميشيل بلاتيني في وصف الأب الروحي لنادي اليوفنتوس الإيطالي جياني أنييلي الذي عرف عنه إدارته ووفاؤه للسيدة العجوز اليوفي لأكثر من ستة عقود كرئيس فخري، وهو ما جعل جماهير البيانكونيري تسلم مفاتيح الخزنة الثمينة لمدينة تورينو الإيطالية للوريث الشرعي أندريا أنييلي الذي كان الابن العاق لعائلة أنييلي وخان الأمانة حينما فتح الأبواب لعصابات المافيا لتتغلغل بين مدرجات جماهير السيدة العجوز نادي يوفنتوس الإيطالي.

إدواردو والحب الأول

الرابع عشر من شهر يوليو عام 1923 كان تاريخاً استثنائياً لنادي يوفنتوس الإيطالي، في ذلك التاريخ وضعت عائلة أنييلي قدمها الأولى في النادي الإيطالي، النادي الذي تأسس قبل ذلك بثلاثة عقود لم تدخل خزائنه سوى بطولة دوري واحدة، بل كان الخلاف يدب داخل أروقة الإدارة التي جلس على كرسيها 11 رئيساً لم تدم فترة صلاحية أقواهم نفوذاً أكثر من ثلاثة سنوات، إلى أن تسلم إدواردو أنييلي كرسي الرئاسة عام 1923 وبدأت تظهر نتائج الاستقرار بعد ثلاثة أعوام من تسلمه حينما حصد ثاني بطولات السكوديتو.

احتفظت السيدة العجوز بلقب الدوري الإيطالي خمسة أعوام متتالية في الفترة ما بين 1930 و1935 وأصبح البيانكونيري حكاية كل أبناء مدينة تورينو ونال شعبية كبيرة لم ينلها سواه في تلك الحقبة. وارتبط اسم الإنجاز التاريخي بالرئيس إدواردو الذي بات الطريق أمامه مفتوحاً للاحتفاظ بكرسي الرئاسة ولم يكن ليجرؤ أحد على مجرد التفكير بالترشح لكرسي الرئاسة. إلا أن مشيئة القدر كانت أقوى من أحلام وطموحات إدواردو وإرادة جماهير النادي.

ركب إدواردو طائرة بلا عودة، لقد توفّي في حادث تحطم طائرته المائية هكذا تلقت جماهير السيدة العجوز الخبر الصادم الذي كلف البيانكونيري كثيراً ودخل بعدها في نفق مظلم ليغيب عن منصات التتويج بعد ذلك لأكثر من خمسة عشر عاماً.

الأفوكاتو

في الثاني عشر من شهر مارس 1921 ولد جياني أنييلي الأب الروحي لنادي السيدة العجوز في فيلا بيروسا الواقعة في مدينة تورينو الإيطالية، كان إدواردو أنييلي وزوجته فيرجينيا ديل مونتي يمنّيان النفس أن يحمل الولد الأول شيئا من صفات جده جيوفاني الذي أسس شركة فيات للسيارات ووضع حملاً ثقيلاً على كاهل إدواردو المتيّم بكرة القدم وتحديداً نادي اليوفي، والذي لأجله ترك إدواردو أملاك عائلة أنييلي بيد الغرباء لأجل عشقه فريق الأسود والأبيض.

إلا أن رعاية إدواردو لطفله جياني لم تدم طويلاً بسبب وفاته وتولى بعدها الجد جيوفاني رعاية الحفيد، جيوفاني الذي وضع حجر الأساس لثروة عائلة أنييلي أراد إبعاد الحفيد كلياً عن الرياضة تفادياً لسيناريو الوالد. ألحق الجد حفيده بكلية الحقوق بجامعة تورينو لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية وانضمامه للجيش الإيطالي على الجبهة الروسية حال دون إتمام جياني للتدريب ورغم ذلك أطلق عليه لقب الأفوكاتو.

كتب لجياني البقاء على قيد الحياة رغم إصابته عدة مرات، ونال عقب مشاركته مع الجيش الإيطالي وسام الشجاعة، لكن الشجاعة الحقيقية التي كان على جياني أن ينال وسامها بكل استحقاق هي مخالفته لتقاليد العائلة والسيناريو الذي رسمه الجد جيوفاني، فعلى الرغم من أن رعاية إدواردو لطفله جياني لم تدم طويلاً إلا أنه كان قد ورث الكثير من حب والده لنادي البيانكونيري.

كرسي الرئاسة يأتي على طبق من ذهب لوريث عائلة أنييلي الشرعي أندريا أنييلي هذه المرة، فالتجربة السابقة الناجحة للرؤساء الثلاثة المنحدرين من هذه العائلة والسمعة الحسنة التي تركها الأب الروحي جياني جعلتا جماهير النادي التواقة لمنصات التتويج تلتف حوله مع تسلمه كرسي الرئاسة عام 2010

أراد جياني أن يكمل حلم أبيه ورشّح نفسه لرئاسة نادي اليوفي في الوقت الذي هرمت فيه جماهير اليوفي من الوقوف إلى جانب ناديها الذي غاب عن منصات التتويج منذ وفاة إدواردو أنييلي، وبالفعل كسب جياني ثقة الجماهير وتربع على كرسي الرئاسة مطلع عام 1947، وأعاد قطار اليوفي الى السكة الصحيحة وخرج من النفق المظلم إلى أضواء منصات التتويج مرة أخرى، ليحصد مرتين لقب السكوديتو خلال فترة رئاسته الفعلية التي امتدت حتى العام 1954.

في السنة الأخيرة لفترة رئاسته كانت شركة فيات تعاني من أزمة خانقة بسبب مضايقة تحالفات شركات السيارات المنافسة، وكان عليه الحفاظ على إرث العائلة وثروتها المالية، بل والشريان الرئيسي لتمويل البيانكونيري الذي يضخ في قلب جياني الحياة فهو الذي عبّر عن عشقه للبيانكونييري للصحافة يوماً قائلاً “عندما أرى الألوان البيضاء والسوداء يعتريني وقع خاص، نعم تعتريني عاطفة كبيرة عندما أرى الحرف الأول من اسمي”.

تنحى جياني عن كرسي رئاسة البيانكونيري وكان عليه أن يضع اليوفي بأيدي أمينة لذلك نصب أخاه آمبيرتو كرئيس لمجلس الإدارة وأصبح جياني الرئيس الفخري لليوفي حتى وفاته بعد معاناته مع مرض السرطان عام 2003.

كانت مسيرة جياني مليئة بالنجاحات فهو من جعل اليوفي عملاقاً أوروبياً وعالمياً حصد خلال فترة توليه الرئاسة الفخرية شعبية كبيرة وامتلأت خزائن النادي بشتى أنواع الكؤوس المحلية منها والأوروبية والتي قارب عددها الأربعين، وكان جياني قد أنفق الكثير في سبيل ما سبق ورؤية البيانكونيري في القمة، فتعاقد مع لاعبين عمالقة صنفوا نجوماً لعصورهم أمثال ميشيل بلاتيني وزيدان، مستفيداً من ثروته من أرباح شركة فيات التي أصبحت في عهد رئاسته التي امتدت في الفترة ما بين 1966 و1996 شركة عملاقة امتدت فروعها إلى خارج الحدود الأوروبية، فقد كان الأفوكاتو في الساعة السادسة من صباح كل يوم يجري اتصاله المعتاد مع إدارة البيانكونيري ليتفقد أحواله، وكان يزور بانتظام التدريبات اليومية ليطمئن قلبه أن الأبيض والأسود ليس في خطر.

أندريا يحاول في كل مرة أن يقلد عمه جياني ويتقمص شخصيته حتى في تدخين السيجار ليثبت للجماهير ومن حوله مدى حبه ووفائه لليوفي

الانقلاب على الملك ديل بييرو

عشق جياني لنادي اليوفي ووفاؤه له على مدى أكثر من ستة عقود كان محط تقدير الجميع حتى أبرز منافسيه، قيل في وصف عشقه لليوفي على لسان رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق والمالك السابق لنادي الميلان “لا يمكن لأحد أن يملك اليوفي طالما الأفوكاتو على قيد الحياة ولو وضعت كل ذهبك”، وقال عنه أسطورة الكرة الإيطالية روبيرتو باجيو جياني “هو الرجل الأول في سماء إيطاليا”.

في شهر مايو عام 2006 هزت فضيحة مدوية الكرة الإيطالية كزلزال مدمر، كان نادي اليوفي أكثر المتأثرين بهزاته الارتدادية التي لم يشهدها مقر السيدة العجوز إلا عندما أعلن عن وفاة الأب الروحي جياني أنييلي.

“الكالتشيو بولي” عنوان سيطر على عناوين الصحف بعد تحقيقات قامت بها الشرطة الإيطالية كشفت فيها مكالمات سرية أجرتها أندية إيطالية مع حكام الدرجة الأولى، لقد تسببت هذه الفضيحة لليوفي بسحب لقبي الكالتشيو 2005-2004 و2006-2005 منه، وسقوطه إلى الدرجة الثانية مع خصم تسعة نقاط من رصيده وحرمان جمهوره من اللعب لثلاثة مباريات وحرمان رئيسه مودجي من ممارسة أيّ نشاط رياضي مدى الحياة، غاب بعدها اليوفي عن منصات التتويج وعاش أسوأ سيناريو لم يكن يتوقعه أشد المتشائمين.

ولأن مصائب قوم عند قوم فوائد، فقد مهّدت أزمة اليوفي كرسيّ الرئاسة على طبق من ذهب لوريث عائلة أنييلي الشرعي أندريا أنييلي، فالتجربة السابقة الناجحة للرؤساء الثلاثة المنحدرين من هذه العائلة والسمعة الحسنة التي تركها الأب الروحي جياني جعلتا جماهير النادي التواقة لمنصات التتويج تلتفّ حوله مع تسلمه كرسي الرئاسة عام 2010.

أندريا الذي ولد في السادس من شهر ديسمبر عام 1976 ودرس التجارة والإدارة في كلية سانت كلير الدولية في جامعة أكسفورد وجامعة بوكوني في ميلانو كان قد تنقل بين عدة مناصب إدارية في شركات العائلة وتعلّم أسلوب الإدارة وعقد الصفقات، وكيف يستخدم عامل الصدمة في كسب الجماهير، كان لمسات أندريا أشبه ما تكون بالسحرية، بدايةً مع تدشين ملعب اليوفي العملاق وهو ما عجز عنه قطبا مدينة ميلان المنافسان الشرسان لليوفي، وبدأ بسلسلة تغييرات فنية وإدارية ساهمت بإعادة هيبة اليوفي كعملاق أوروبي بعدما بات الملك المطلق المهيمن على بطولات الكالتشيو ستة مواسم متتالية ووصل نهائي دوري الأبطال في مناسبتين.

رغم أن أندريا كان يحاول في كل مرة أن يقلد عمه جياني ويتقمص شخصيته حتى في تدخين السيجار ليثبت للجماهير ومن حوله مدى حبه ووفائه لليوفي إلا أن التفكير المادي الذي اكتسبه خلال فترة عمله في مجال الاقتصاد بعيداً عن معقل اليوفي كان يطغى على جانب الوفاء، وصحيح أن اليوفي لم ينزل عن منصات التتويج إلا أنه فقد أحد أساطيره التاريخية أليساندرو ديل ببيرو الذي لو كتب لتورينو الاستقلال يوماً لنصبته جماهير اليوفي ملكاً عليها دون تردد.

خبرة أندريا التجارية وعلاقاته المتشعبة في كل مكان تعد عاملا إيجابيا قاد اليوفي إلى الاستقرار المالي، لكن ما يدور خلف ذلك الاستقرار كان صادما للغاية، بعدما كشفت الشرطة الإيطالية عن تورط أندريا أنييلي مع المافيا

في إحدى جلسات الإدارة المغلقة أعلن أندريا قراراً فردياً بأن موسم 2011-2012 هو الموسم الأخير لهداف اليوفي التاريخي أليساندرو ديل ببيرو الذي شارف على ختام عقدين من الزمن بقميص السيدة العجوز.

كان هذا الخبر كالصاعقة على جماهير اليوفي ولم تصدق ما سمعته من تسريبات عبر وسائل الإعلام حتى رأت بأعينها أليكس في ليلة مباراة أتلاتنا وهو يلقي نظرة الوداع على جماهير السيدة العجوز التي وقفت وبكت لوداع أسطورتها بينما لم تبد على أنييلي أيّ علامات حزن، خطوة وصفها النقاد أشبه بالانقلاب المبكر على أليكس للإطاحة بأحلامه البعيدة وهو الذي كان ينتظر ختام مسيرته الكروية في البيانكونيري ليبدأ ربما مشواراً جديداً لكن ليس على المستطيل الأخضر وإنما أمام طاولة خشبية داخل مكاتب صنع القرار في مقر السيدة العجوز.

الوقوع في فخ المافيا الإيطالية

صحيح أن خبرة أندريا التجارية وعلاقاته المتشعبة في كل مكان كانت عاملاً إيجابياً قاد اليوفي إلى الاستقرار المالي، لكن ما يدور خلف ذلك الاستقرار كان صادماً للغاية، بعدما كشفت الشرطة الإيطالية عن تورط أندريا أنييلي في لقاء مع روكو دومينيلو أحد زعماء الألتراس وعقدهما صفقة لمنح تذاكر مباريات لعناصر من الألتراس المرتبطة بمافيا ندرانغيتا وهي منظمة من عصابات المافيا تتخذ من إقليم كالابريا مركزاً لها وصنفت كمنظمة إجرامية في الثلاثين من شهر مارس 2010 وفقا للبند 41 من قانون السجن الإيطالي.

وجاء في ختام محضر التحقيقات بأنه في المباراة التي أقيمت في الـ23 من فبراير 2014 سمح رئيس نادي يوفنتوس أندريا أنييلي بدخول أعضاء من المافيا دون بطاقات شخصية تحت مسمى مسؤولي أعمال صيانة إلى ملعب اليوفنتوس يحملون مواد نارية ولافتات محظورة من أجل إرضاء الألتراس.

من المؤكد أن تلك الفضيحة لن تضع نادي اليوفي مجدداً ضمن دائرة الشبهات فحسب، بل ستسقط هيبة حكم عائلة أنييلي لنادي اليوفي الذي امتد على مدى أكثر من تسعة عقود أنهاها وريث شرعي عاق للسيدة العجوز وعائلة أنييلي بفضيحة مدوية.

14