أندريه برينك كاتب جنوب أفريقي آخر يرحل عن العالم

الثلاثاء 2015/02/10
أندريه برينك: في الكتابة، هناك العديد من الاختيارات الممكنة

كثيرون جابهوا التمييز العنصري منطلقين من قاعدة واحدة ألا وهي الحرية والمساواة، غير أنهم اختلفوا في الوسائل، فهناك من اختار القوة والصدام، ومنهم من خيّر السياسة، وآخرون ذهبوا أعمق في حل قضايا إنسانية من هذا النوع بالإيغال في عمق الإنسان نفسه، هذا الإنسان نفسه الظالم والمظلوم، وذلك من خلال الفن والكتابة، ولعل هذا هو أرقى أنواع التعبير وأكثرها نجاعة.

هكذا اختار الكاتب والمثقف الجنوب أفريقي “أندريه برينك” أن يوقظ في الإنسان إنسانيته، فسار في طريق التحرر ومناهضة التمييز، داعيا إلى القيم الإنسانية المثلى بروح شفافة، وإحساس إنساني عال، طريق استغرق منه عمرا كاملا، لم يوقفه فيه إلى آخر خطوة غير الموت.

لقد كان الأديب الجامعي والمفكر أندريه برينك صديقا لـنيلسون مانديلا، مناضلا لا يكل، مدافعا ومناصرا لحقوق الإنسان، صوته الأدبي المختلف جعله أكبر الروائيين الجنوب أفريقيين، فارق الحياة يوم الجمعة 6 فبراير عن سن يناهز 79 سنة. إلى جانب الحائزين على جائزة نوبل ج.م. كويتزي (J.M. Coetzee) ونادين غورديمير (Nadine Gordimer)، التي أفلَت في 14 يوليو 2014، وجهان آخران كانا بالغي الأهمية في المشهد الأدبي الجنوب أفريقي، هذا الإنساني المرهف الحس إلى أبعد الحدود، ترك بصمة أدبية وسياسية طبعت أجيالا بأكملها.

ولد برينك في 29 مايو 1935 بمدينة “فريد” (Vrede) -مدينة صغيرة كانت لفترة وجيزة عاصمة دولة “أورانج” الحرة خلال حرب “بويرز” (Boers) الثانية والتي تعني بالهولندية وكذلك بلغة المعمرين الجنوب أفريقيين القدامى بأسلوب تبشيري «سلام»- من أمّ كانت تعمل معلمة، وأب قاض، ينحدران من معمرين “بويرز” قدامى استقروا بأفريقيا منذ ثلاثة قرون، من ثمّ يمكن القول -إذا صحّ التعبير- إنه لم يرث بالضرورة صبغة التمرّد والثورة.


ولادة ثانية


بجريدة “لوموند” سنة 2010، كان يصف مراهقته المترفة بقرية نائية بأفريقيا المعمورة. مراهقة طفل لم يكن يأبه بالنظام المطبق ولا بسياسة “بريتوريا” العنصرية. بل أكثر من ذلك، كان شابا يعترف أنه لا يعرف حتى اسم المربية السوداء التي كانت تحمله على ظهرها، والتي علمته لغة “السوطو”. وفي يوم من الأيام، حدثت الصحوة أو بالأحرى «المفترق»، لكي نورد عنوان أحد كتبه حيث اعتاد القول واصفا ذلك التحوّل بـ«ولادة ثانية».

الأدب الفرنسي، من هيغو إلى كامو، مثل ولادة ثانية للكاتب أندريه برينك الذي يكتب بالأفريقانية والأنكليزية

سنة 1959، بعد إجازة مزدوجة في الأفريقانية (لغة المعمرين الجنوب أفريقيين القدامى) والأنكليزية، حصل عليها من جامعة “بوتشيفستروم” (Potchefstroom)، توجه إلى باريس. كان في الـ25 من عمره حين صادف بجامعة “السوربون” طلابا سودا لا يبدون أبدا -لأول مرة كان يرى ذلك- منبوذين أو مقصيين من النظام الاجتماعي. استيعابه لفظاعات التمييزالعنصري سيتلازم مع «قصة حب» لفرنسا حيث سيلعب الأدب -هوغو، زولا، أنويله، كوليت، سيمونون، وكامو على الخصوص الذي ترجم له إلى الأفريقانية- دورا حاسما.

شيئا فشيئا، سيشتد موقفه المناهض للميز العنصري كما يشهد على ذلك عمله المحرر باللغتين الأصليتين -الأفريقانية والأنكليزية- الذي سيباشره سنة 1964 مع “السفير” (منشورات سطوك 1968)، والذي سيصدر على غرار عدد من مؤلفاته بالأفريقانية أولا ثم الأنكليزية (Die Ambassadeur, 1964, File on a Diplomat, 1967).


مناهضة التمييز العنصري


في 1968، بعد اختياره مغادرة فرنسا، سيعود إلى بلده ويصرح بالمناسبة في مختلف الوسائل الممكنة بمناهضته للميز العنصري: “يمكننا أن نختار وسيلة عملية و«فعالة»؛ إما برمي القنابل أو بممارسة السياسة، أو أن نلجأ إلى الكتابة التي، في سياق العالم الثالث، ستأخذ شكل حركة ذات دلالة” (جريدة “لوموند” العدد الصادر في 26 أكتوبر 1984). لقد اختار برينك سبيل الكلمات.

برينك: الأدب وحده "الواقع المبهم"

بعد “السفير” سيليه أكثر من عشرين مؤلفا -روايات، أبحاث، مقالات،..- نجد من بينها “إلى أسْود من الليل” (منشورات سطوك 1976، منعته الرقابة بجنوب أفريقيا)، “فصل أبيض وجاف” (سطوك، 1980، جائزة “ميديسيس” للأجانب بفرنسا) الذي تمّ اقتباسه في السينما من طرف المخرجة الفرنسية “أوزهان بلاسي” (Euzhan Palcy)، “جدار الطاعون” (سطوك، 1984)، “عمل رهيب” (سطوك، 1991)، أو أيضا مؤخرا، “فيليدا” (Philida ) (آكت سود، 2014).


الجودة والفعالية


أن تعيد قراءة “برينك” على ضوء هجمات الجهاديين هي تجربة جدّ فريدة، لنأخذ “عمل رهيب”على سبيل المثال، إن الكاتب يتفحص به هذا النوع من الأعمال «العملية والفعالة» التي كان يستبعدها دائما، بطله “توماس لاندمان”، حالم يغوص وسط كتبه، صوره، وأفكاره، عصامي سيصيح في بداية الرواية: «ما من أحد يمكنه أبدا أن يقنعني، أبدا أبدا، بأن العنف يمكنه أن يجد له تبريرا».

على الرغم من ذلك، سنتبع المسار الذي يخالج أعماقه، والذي سيدفعه إلى تفجير قنبلة خلال موكب رسمي للرئيس، ستخطئ القنبلة هدفها ولن تصيب إلا ضحايا أبرياء؛ تشويق، إثارة. «إن التفكير والتأمل في الإرهاب يخلص من بين ما يخلص إلى تساؤل حول وضعية الإنسانية» على رأي تولستوي.

نحو هذه الوجهة الميتافيزيقية، كان “برينك” يقول إنه كان يرغب في مرادفة هدفين ثانويين حيث كان يشير أنه «حتى بالكتابة، هناك العديد من الاختيارات الممكنة، يمكننا أن نصير أكثر مهارة وأكثر إبداعا، لدرجة أن لن يستوعب المؤلَّف إلا حفنة من القراء المطلعين. أو أن ننزل إلى مستوى الدعاية السوقية».

معتبرا هذين الخيارين غير «مشرفين»، كان يؤكد أنه بالأدب، وحده «الواقع المبهم» الذي تحدّث عنه “بارث” (Barthes)، هو الذي يجب توضيحه. لقد كان دائما يردد «يجب أن أفعل كل ما بوسعي لأكون أهلا لمتطلبات وتعقيدات العالم السوسيوسياسي الذي أنتمي إليه» قبل أن يضيف «وفي نفس الوقت، يجب أن أفعل كلما بوسعي لأكون أهلا لمتطلبات الإبداع الأدبي. وحدها الجودة تضمن الفعالية». تصوّر جدّ راق لحرية التعبير.

من أهم أعمال برينك “صمت مضطرب” و”إداماستور” و”حقوق الرغبة” و”الحب والنسيان” و”البوابة الزرقاء”، وقد تابع الكتابة بعد سقوط نظام الفصل العنصري، وأصدر روايات عديدة منها “الحشرة المبشرة” وهي قصة تسرد تفاصيل مغامرات طفل خارق، أصبح المبشر الأسود الأول في أفريقيا الجنوبية.

15