أندريه زكي قس يخدم مليوني مصري معظمهم مسلمون

السبت 2016/09/10
أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية وورطة التنويري مع رداء المحافظ

القاهرة- “لن أجلس على كرسي وأطلق تصريحات تتجاهل هموم الناس وتحدياتهم ومشاكلهم الكبرى، لكنني سأظل متمسكاً بعقيدتنا وملتزماً بالنصوص الكتابية أمام الله وجميع الشعب للحفاظ عليها، فدوري هو أن أوازن بين التزامي بالحق والتزامي بالعقيدة وبين تحديات واحتياجات الناس”.

كلمات قليلة تحمل بين طياتها معاني كثيرة كانت بمثابة عهد قطعه أندريه زكي على نفسه لإيجاد صيغة توافقية بين الأمور العقائدية والدنيوية، بعد ارتدائه ثوب رجل الدين وانتخابه رئيسا للطائفة الإنجيلية بمصر في 20 فبراير عام 2015.

فوز زكي بمنصب لم يتقدم له سواه من جانب المجلس الملّي الإنجيلي المكون من 18 عضوا يمثلون معظم مذاهب الإنجيليين، كان بالنسبة إلى عدد من القساوسة كارثة كبيرة لحقت بالإصلاحيين المحدثين وانتصرت للمحافظين داخل الطائفة.

غضب البعض من تولّيه للمنصب لم يبدد من فرحة الكنيسة، آباء ورعية، بالاختيار، لما له من نشاط رعوي وخدمي وخبرة في الإدارة، فهو المدير العام للهيئة القبطية التي تصل خدماتها إلى نحو 2 مليون مواطن فقير سنويا، غالبيتهم من المسلمين، وهو ما أكسبه مصداقية كبيرة وسط عموم المصريين.

كرّس زكي حياته للخدمة والتنمية بعد أن وضعه على هذا الطريق القس صموئيل حبيب مؤسس الهيئة القبطية الإنجيلية والرئيس الأسبق للكنيسة، حيث دعاه للخدمة عام 1986 عندما كان شاباً (26 سنة) في بداية حياته العملية، وغرس فيه حب الكنيسـة والوطن، والتفكير العلمي والرغبة الجادة في بناء القدرات ومدّ الجسور مع الآخرين. أما الجانب الرعوي والروحي المحافظ فقد قام بتنميته القس فايز فارس راعي الكنيسة الإنجيلية الثانية بالمنيا بصعيد مصر التي نشأ وتتلمذ فيها.

المعادلة الصعبة

التحوّل الحقيقي صوب الشهرة كان من خلال رئاسته لمنتدى حوار الثقافات بالهيئة الإنجيلية، الذي جعله واحدا من أبرز الشخصيات الثقافية على الساحة المصرية، بعد أن استطاع من خلاله القيام بدور كبير في تخفيف حدة الاحتقان الطائفي، ونشر ثقافة الحوار والتسامح ومناقشة القضايا القومية.

المنتدى رسّخ في الأذهان صورة زكي كرجل تنويري يدعو إلى الإصلاح والتجديد ومواكبة روح العصر ويتبنى أطروحات المواطنة والتعايش بين الأديان والثقافات ونبذ الكراهية والعنف، انطلاقا من قناعاته بأن الدين لله والوطن للجميع.

اليأس والإحباط يتسللان إلى نبرة صوت أندريه زكي عندما يسأله المجتمع المدني عن قضايا مستقبلية تخص المسيحيين الإنجيليين، فيكون الرد في معظم الأحوال واحدا "هذا ما اتفق عليه السنودس الإنجيلي" أو "انتظرت أن يعترض أحد الأعضاء ولم أجد"

بعد تولّيه رئاسة الطائفة الإنجيلية العام الماضي، خلفا للقس صفوت البياضي، أصبح مثيرا للجدل، في ظل مزجه بين مواقفه المحافظة كرجل دين وبين مواقفه الإصلاحية والتنويرية كمثقف وناشط في المجتمع المدني، فوصفه البعض بأنه “تنويري ارتدى زيّا محافظا”.

كان على القس البالغ من العمر 56 عاما، والذي شغل العديد من المناصب المدنية، أن يحقق المعادلة الصعبة بين ما يعتنقه ويعتقده ويطالب به كتنويري، وبين ما يطبقه كرجل دين تحكمه اعتبارات المسؤولية الكنسية كنائب لرئيس الطائفة الإنجيلية ثم رئيسا لها.

تتكون الطائفة الإنجيلية أو المجلس الإنجيلي العام من 17 مذهبا، أبرزها “الكنيسة المشيخية” التي يتولى إدارتها “سنودس النيل الإنجيلي المشيخي” والتي ينتمي لها العدد الأكبر من الإنجيليين، ويقدر زكي أعدادهم بنحو مليون إنجيلي.

بدأ زكي في هدوء وحنكة وحكمة العمل على تطوير الكنيسة الإنجيلية على مستوى الفكر، وصياغة لاهوت إنجيلي عربي يناسب العصر ويعبّر عن المواطن المصري الذي يتهمه البعض بالتغريب.

لكن شيئا فشيئا أخذ اليأس والإحباط يتسللان إلى نبرة صوته عندما يسأله المجتمع المدني عن قضايا مستقبلية تخص المسيحيين الإنجيليين، فيكون الرد في معظم الأحوال واحدا “هذا ما اتفق عليه السنودس الإنجيلي” أو “انتظرت أن يعترض أحد الأعضاء ولم أجد”، متجاهلا تماما إذا كانت نتيجة التصويت تتوافق مع قناعاته الشخصية أم لا.

الزواج المدني

طفت على السطح مواقف زكي المحافظة لتثير الاستغراب لدى من هم على مسافة قرب منه بعد أن رسّخ مقولة “ما باليد حيلة” في العديد من القضايا.

صورة زكي في الأذهان تقدمه كمثقف يدعو إلى الإصلاح والتجديد ومواكبة روح العصر ويتبنى أطروحات المواطنة والتعايش بين الأديان والثقافات ونبذ الكراهية والعنف، انطلاقا من قناعاته بأن الدين لله والوطن للجميع

أبرز تلك القضايا كان قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، فبعد جدل استمرّ أعواما ومطالب متزايدة من جانب قطاع من الطائفة الإنجيلية بإقرار الزواج المدني وتوسيع أسباب الطلاق من سببين، هما علة الزنا وتغيير الملة، استجابت رئاسة الطائفة وناقشت بالفعل إمكانية توسيع الأسباب لتكون خمسة، هي الجنون والعجز والأمراض المعدية التي يثبت عدم القدرة على الشفاء منها أو علاجها، والغياب لمدة خمس سنوات، والهجر لخمس سنوات أيضا.

أظهرت الكنيسة الإنجيلية مرونة كبيرة من خلال طرح الأمر للنقاش العام وإصدار قانون جديد يريح الرعايا ولا يخالف الإنجيل ويتناسب مع روح العصر ومتطلباته.

لكن بعد الشد والجذب خرج زكي بتصريحات قاطعة بأن المجلس الإنجيلي العام قرر رفض الزواج المدني رفضا نهائيا، وتوسيع أسباب الطلاق، لكنه أقر التبني والميراث وفقا للشريعة المسيحية.

يقول زكي إن “القرار جاء بعد خطوات شفافة وديمقراطية وبناء على رغبة القاعدة العامة من المسيحيين الإنجيليين، فقد كلّفت اللجنة القضائية واللاهوتية لإعداد مسودة أولية للقانون للإنجيليين، ودعوت رؤساء المذاهب الإنجيلية وأعضاء المجلس الإنجيلي العام ومديري كليات اللاهوت ثم أرسلته لثمانية مجامع إنجيلية وللمذاهب الإنجيلية الكبرى، ورد أكثر من 97 بالمئة منهم برفض الزواج المدني وتوسيع أسباب الطلاق”.

هذا القرار أظهر حالة من التناقض الشكلي بين ما يعتقده زكي كتنويري وبين ما يطبقه كرجل دين مسؤول والسياق الذي يتحرك فيه، لكنه حاول أن يفك هذه الإشكالية بتأكيده على أنه يحتكم إلى الديمقراطية والإرادة الشعبية.

ظهر هذا جليا في تبريره حين قال “أؤمن بالحداثة والانفتاح، لكن يجب أن أحترم الأغلبية التي انتخبتني وحين وجدت القاعدة العريضة للكنائس الإنجيلية في مصر ترفض الزواج المدني رفضت”، وفي أثناء التصويت على القانون انتظر صوتا واحدا يوافق على الزواج المدني فلم يجد.

ورغم رفض الكنيسة الإنجيلية للزواج المدني، إلا أنها أقرت الزواج المختلط بين الطوائف المسيحية، وهو موقف يبدو تقدميا، مقارنة برفض الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية للزواج المختلط.

رسامة المرأة

تغلبت النزعة المحافظة عند زكي في قضية رسامة المرأة لتكون قسّا كما هو الحال في غالبية الكنائس الإنجيلية في الغرب، وفي بعض دول الشرق الأوسط، فقد قرر سنودس النيل الإنجيلي تأجيل مناقشة قضية رسامة المرأة 10 سنوات.

المجلس الإنجيلي العام يتكون من 17 مذهبا، أبرزها "الكنيسة المشيخية" التي يتولى إدارتها "سنودس النيل الإنجيلي المشيخي" والتي ينتمي إليها العدد الأكبر من الإنجيليين، ويقدر أندريه زكي أعدادهم بنحو مليون إنجيلي

ومع أن زكي يؤمن على المستوى الشخصي بالمساواة الكاملة ولا يرى مانعا من رسامة المرأة قساً، إلا أنه خضع لآراء الأغلبية داخل السنودس مبررا ذلك بقوله “إنه من الصعب على امرأة قسيسة في صعيد مصر أن تذهب بحكم مسؤوليتها إلى أقسام الشرطة ليلا أو تتدخل في فض النزاعات الطائفية فالتقاليد الاجتماعية لن تسمح لها بذلك”.

هذه المرة تغلّب ثوبه المحافظ أيضا على العقل الإصلاحي، فرغم عدم وجود نص إنجيلي يفصل في تلك المسألة، لكن تحكّمت الاعتبارات الاجتماعية المحافظة.

من الناحية اللاهوتية، وحسب العقيدة الإنجيلية المشيخية، لا فرق بين الرجل والمرأة ويجوز للسيدة أن ترسّم قساً طالما رسّمت شيخة، أما من الناحية الاجتماعية يصعب تقبل رسامة المرأة قسا فضلا عن أن الكنائس الأخرى لن تقبل هذا الأمر.

من هنا تجلت مخاوف الإصلاحيين التي أعلنوا عنها قبل تولي أندريه للطائفة بأنه محافظ ولن يقبل التطوير والتجديد، وطعنوا أمام محكمة كنسية ضد قرار تأجيل رسامة المرأة عشر سنوات، وبدا للعيان أن هناك صراعا دائرا بين الاتجاهين المحافظ والإصلاحي داخل الكنيسة الإنجيلية.

قفزات في الهواء

حدوث تحولات كبيرة في البنية الديمقراطية للمجتمع المصري، لم يرخ بظلال كبيرة إيجابية على الطائفة الإنجيلية، حيث لم تتأثر بأيّ تغيير كغيرها من المؤسسات المصرية، ولم يفكر أعضاء المجلس الملّي الإنجيلي في تغيير لائحة المجلس التي عفا عليها الزمن.

توقع البعض بعد تولي زكي رئاستها أن تصيبها رياح التغيير، وتضع قضية الإصلاح على أجندة أولوياتها، خاصة أن الكنيسة الإنجيلية في الفترة الأخيرة شهدت محاولات من بعض الكنائس للانشقاق والاستقلال عن مجمع الكنائس الإنجيلي مثل الكنيسة “الأسقفية”، وكنيسة “نهضة القداسة”.

أندريه زكي يؤمن بالحداثة والانفتاح، ويحترم الأغلبية التي انتخبته، ولهذا حين وجد القاعدة العريضة للكنائس الإنجيلية في مصر ترفض الزواج المدني، قام برفضه

وظهر الصراع المكتوم على السطح، والذي يكنه قطاع كبير من الشباب القساوسة الإصلاحيين الذين يرفضون اللائحة المنظمة للطائفة الإنجيلية منذ عام 1902 من قبل السلطان العثماني والمعروفة بالخط الهمايوني، ويعتبرونها مجحفة ولا تتوافق مع طبيعة العصر وطالبوا صراحة بتغييرها.

تنص المادة 15 من لائحة المجلس الملّي الإنجيلي على مدة انتخاب رئيس الطائفة ونائبه، على أن “يُنتخب الوكيل والنائب بمعرفة المجلس العمومي لمدة ثماني سنوات وتجوز إعادة انتخابهما”، وهو ما يعني أن رئيس الطائفة يمكن أن يظل رئيساً إلى الأبد مادام يعاد انتخابه.

بدا للبعض أن إبقاء الحال على ما هو عليه يروق لكبار القساوسة وعلى رأسهم زكي كرجل دين محافظ يطالب بالاستقرار، بذريعة أن “الكنيسة مرت بحركة إصلاح، أتت ثمارها، ولا داعي لقفزات في الهواء”.

لكن في لحظة معينة اضطر زكي إلى أن يخلع ثوب رجل الدين ويظهر وجهه الليبرالي المعتدل، عندما تبنّى مبدأ الحرية الدينية وانتقد وصاية رجال الدين على عقول الناس وأعلن أن “من يريد أن يتحول للإسلام فليفعل، ومن يريد أن يتنصر فليفعل أيضا”، أما ما يرفضه فهو تغيير الدين نتيجة إغراءات مادية أو عاطفية وما ينتج عنه من خلخلة للسلم الاجتماعي.

طائفته لا تشجّع أيّ شخص على ترك كنيسته ولا تسعى لأخذ أيّ مسيحي يصلي في أيّ كنيسة، لكن هناك الملايين من المسيحيين في مصر لا يعرفون الله ولا يصلون، تتم دعوتهم للصلاة في الكنيسة الإنجيلية.

12