أندريه غلوكسمان قطب الفلاسفة الجدد أمام "آكل البشر"

الأحد 2015/11/15
مفكر تقلب بين التيارات وهاجم تصدير القيم الغربية بالقوة

تونس - في الليلة الفاصلة بين التاسع والعاشر من شهر نوفمبر 2015، رحل عن الدنيا الفيلسوف الفرنسي أندريه غلوكسمان الذي يعد أحد أقطاب “الفلاسفة الجدد” الذين ظهروا في أواخر السبعينات من القرن الماضي، مستغلين الفراغ الهائل الذي خلفه الفلاسفة الكبار الذين كانوا يتمتعون بشهرة واسعة، وبحضور عالمي قوي خلال النصف الأول من القرن العشرين.

ينتمي غلوكسمان المولود في باريس عام 1937 إلى عائلة يهودية من أصول بولونية. وفي صباه عاين شراسة النازية خلال احتلال الألمان لباريس، مظهرا تعاطفا مع حركة المقاومة. وفي ما بعد سيكتب عن المعسكرات والمحتشدات التي اقترف فيها النازيون أفظع جرائمهم وأبشعها في التاريخ البشري.

خطاب الحرية

بعد إحرازه على شهادة التبريز في الفلسفة عام 1961، انشغل أندريه غلوكسمان بتأليف كتابه الأول الذي سيحمل عنوان “خطاب الحرب” الذي يستعرض فيه أطروحات وأفكار الفيلسوف وعالم الاجتماع الكبير رايمون آرون حول كلاويس فيتز صاحب الكتاب الشهير “عن الحرب”.

وعندما اندلعت الانتفاضة الطلابية في ربيع عام 1968، انضم إليها ليصبح أحد منظريها وقادتها الكبار. وبعد انطفائها، اختار أن يكون ضمن مجموعة “أكسيون” (الفعل) التي كانت تدعو إلى ضرورة الاعتماد على “العنف الثوري” لمواجهة الرأسمالية والإمبريالية والقوى الرجعيّة.

وكانت المجموعة تشيد في أدبيّاتها وفي أطروحاتها الأيديولوجية بالزعيم الصيني ماو تسي تونغ وبنظريته التي بلورها ضمن ما سماه بـ”الثورة المستمرة”، والتي طبقها في ما أصبح بـ”الثورة الثقافية” التي ذهب ضحيتها الملايين من الصينيين، وبسببها حوكم العديد من كبار قادة الحزب الشيوعي الصيني، وأعدم البعض منه في الساحات العامة، وأقصي من الجامعات ومن المؤسسات المرموقة مثقفون وأكاديميون وعلماء بتهمة “مناصرة البورجوازية” و”الرجعيّة”، ومعاداة “الثورة البروليتارية”، أو أرسلوا إلى “معسكرات إعادة التأهيل” ليمضوا فيها سنوات طويلة أجبروا خلالها على القيام بأعمال لا تختلف في شيء عن الأعمال المذلة والمهينة التي كان يقوم بها العبيد في العهود القديمة.

وفي ما بعد سيثوب أندريه غلوكسمان إلى رشده ويخصص مؤلفين من مؤلفاته وهما “الطباخة”، و”آكل البشر” للبحث في جذور الشر لدى ألأنظمة الشمولية في القرن العشرين، والتنديد بالجرائم الشنيعة التي ارتكبتها في حقّ الشعوب، وفي حقّ المجموعات والأفراد.

الانتفاضة الطلابية في ربيع العام 1968، تعد الحاضنة للكثير من أجيال فكرية مختلفة، فقد انضم إليها غلوكسمان ليصبح أحد منظريها وقادتها الكبار، وبعد انطفائها، اختار أن يكون ضمن مجموعة أكسيون (الفعل) التي كانت تدعو إلى ضرورة الاعتماد على “العنف الثوري” لمواجهة الرأسمالية والإمبريالية والقوى الرجعية

البربرية بوجه إنساني

وفي أواسط السبعينات من القرن الماضي، انسلخ اندريه غلوكسمان عن مجموعة “أكسيون” ليصبح من المقربين من جان بول سارتر ومن مريديه المفضلين. معه كان يمضي ساعات طويلة في النقاش والجدل حول القضايا الفلسفية والسياسية وغيرها. وفي المجلة التي كان يرأس تحريرها، أصدر العديد من الدراسات التي تعكس تحولاته الفكرية، لكن من دون أن يتخلى عن كرهه للرجعية والبورجوازية. وهذا ما أبرزه في دراسة خصصها لنظام الرئيس جروج بومبيدو واصفا إياه بـ”الفاشي”.

وعند اطلاعه على مؤلفات الكاتب الروسي الأكسندر سولجنستين التي رسم فيها صورة مرعبة عن الفترة الستالينية، وعن معسكراتها ومحتشداتها التي كانت تستقبل المعارضين للشيوعية، وفيها كانوا يسامون أمرّ أنواع العذاب، ويتعرضون لأشكال مختلفة من الإذلال والإهانة، أظهر اندريه غلوكسمان معارضة مطلقة للشيوعية، ولم يعد يتردد في انتقادها وفضح أساليبها الوحشية، وهذا ما بيّنه في كتابه “البربرية بوجه إنساني”.

في نهاية السبعينات من القرن الماضي، انضمّ اندريه غلوكسمان إلى حلقة “الفلاسفة الجدد” ليصبح أحد أقطابها. وقد استغل موجة هروب العديد من الفيتناميين من بلادهم في “مراكب الموت” عام 1979، لكي يحاول أن يصالح بين الصديقين اللدودين جان بول سارتر ورايمون آرون اللذين كانا على خلاف دائم منذ نهاية الحرب الكونية الثانية بشأن قضايا فلسفية وسياسية بالخصوص.

وفعلا ظهر في الصورة الشهيرة التي تناقلتها وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية متوسطا الفيلسوفين على مدارج قصر “الأليزيه” حيث كانوا في انتظار لقاء مع الرئيس جيسكار ديستان ليطالبوه بتدخل فرنسا لحل مشكلة اللاجئين الفيتناميين.

في مطلع التسعينات، دخل اندريه غلوكسمان إلى الشيشان سرّا ليكتب سلسلة من التحقيقات صور فيها معاناة الشيشانيين في ظل الحرب القائمة في بلادهم ضد الجيش الروسي، مظهرا تعاطفا مع المقاومين الإسلاميين. وفي كتابه الذي أصدره من وحي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والذي حمل عنوان “دستويفسكي في مانهانتن”، بدا غلوكسمان وكأنه يبرر العمليات الإرهابية، لذلك فجّر كتابه معركة حامية ضده، فبات معرضا لأقسى الشتائم، فهو”اليميني القذر”، وهو “الرجعيّ الحقير”، وهو “الفيلسوف الأعرج والأعمى الذي لا يثبت على فكرة أو قرار”.

في كتابه الأخير الذي حمل عنوان “الهجوم المضادّ لفولتير” الصّادر عن دار “روبير لافون” بباريس، يستنجد أندريه غلوكسمان بفولتير للخوض في القضايا السياسية والفكرية والاجتماعيّة التي تعيشها فرنسا والبلدان الأوروبيّة في الوقت الراهن، وللدافاع عن قيم الحريّات المهدّدة، وأيضا لمواجهة التزّمت الديني الذي يشهد تصاعدا مخيفا.

صورة شهيرة تناقلتها وسائل الإعلام العالمية تجمع الفيلسوفين سارتر وآرون مع غلوكسمان على مدارج قصر "الأليزيه"

ويعتقد غلوكسمان أن كتابه يهدف بالأساس إلى إعادة الاعتبار لـ”فيلسوف الحرية” الذي هو فولتير، والتصدّي للهبوط التدريجي لقيمته الفكريّة والفلسفيّة، ومفسّرا هذا الهبوط التدريجي، قال غلوكسمان “في منتصف القرن العشرين، كان المثقّفون يرون أن فولتير، خلافا لهيغل وماركس وهايدغر، لم يكن فيلسوفا بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كان مجردّ مفكر مندفع وتلقائيّ. لذلك أبوا تدريسه في قسم الفلسفة بالجامعات، بل فقط في الأقسام النهائية للتعليم الثانوي. وأنا أناهض مثل هذا الإقصاء، ومثل هذا التهميش، وأعتقد أن فولتير فيلسوف أكثر معاصرة من كلّ المفكّرين المتشبثين بالأساليب والنظم الجامدة”.

يضيف كلوغسمان قائلا “صحيح أن الأوقات تغيّرت، لكن مقارنة بقرنين ونصف القرن من الفلسفة الجرمانيّة أساسا، والتي أعقبت الثورة الفرنسيّة، يمكن القول بأن فولتير أقلّ قدما، ففي رفضه للرسوّ والتشبّث بمنهج معيّن، وفي رفضه للحدود بين الأجناس، ولأنواع البلدان، وفي التزامه في قلب المدينة بمقاومة مختلف أشكال التزمّت، فإنه رجل عصرنا، والذين حاكموه وأقصوه هم الذين ينتمون الآن إلى الماضي، حتى من يعتبرون من أنصاره الفكريين، مثل صديقي رولان بارت، حاكموه لكن بطريقة خفيفة. وأمثال بارت فعلوا ذلك لأنهم كانوا يريدون أن يقفوا على أرض صلبة، أي أن يستندوا إلى منهج يوفّر لهم القدرة على أن يكونوا حكّاما وقضاة.

ولم يكن فولتير يبتغي مثل هذا الأمر. وكلّ أعماله هي عبارة عن معارك ضدّ أصحاب التعاليم الجاهزة.

أن يكون الإنسان، فولتيريّا، يعني أن يتقبّل الارتجاج والزعزعة الدائمة. كتّاب معزولون مثل فلوبير وستاندال يتحمّلون مثل هذا التيه الأيديولوجي والمفاهيمي، والذي أسمّيه أنا حريّة فلسفيّة”.

ومتحدثا عن “كانديد”، بطل رواية فولتير الشهيرة، قال غلوكسمان “كانديد بطل عصرنا الراهن. وهو نقيض زاديغ، الذي هو شخصية أخرى من شخصيّات قصص فولتير. زاديغ يبدأ مفكرا موهوبا وثريّا وينتهي كذلك. إنه كتلة، أما كانديد فهو لا يعرف من أين أتى ولا إلى أين يذهب. إنه بلا وطن وبلا حدود. وهو يصمد أمام الأحداث من دون أن تكون له بوصلة غير وعيه. وهو يترك المكان للصدفة في حين يحقّق زاديغ مصيره. إنه، أي كانديد، نموذج للإنسان المعاصر”.

أندريه غلوكسمان يخصص مؤلفين من مؤلفاته الهامة هما "الطباخة"، و"آكل البشر" للبحث في جذور الشر لدى الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، والتنديد بالجرائم الشنيعة التي ارتكبتها بحق الشعوب، وبحق المجموعات والأفراد

الحرب الغربية ضد العراق وليبيا

ومن خلال فولتير تطرق غلوكسمان إلى قضايا سياسيّة راهنة مثل التدخل العسكري الغربيّ في العراق وليبيا. وعن ذلك قال “كثر يسألونني: هل معنى أن فشل تدخل الغرب في ليبيا وفي العراق قبل ذلك يدلّ على أن (تصدير) قيمنا محكوم عليه بالفشل؟ وجوابي هو: ما هو أساسي في كلّ هذا هو أن هناك دليلا على أن فكرة الحرية الجميلة ليست أفقا ينزل من السماء، إنها تبنى. أن تقوم القوات العسكرية للحلف الأطلسي بالقصف ثم ترحل، لا يمكن أن يوّلد هذا غير الاضطرابات القبليّة والمذهبيّة. مشكلة الغرب أنه لا يمتلك سياسة التواصل. لكن يبدو لي أن سقوط نظامي صدام حسين والقذافي الدمويين، خبر مفرح للإنسانيّة جمعاء”.

وعن موقف فولتير من الإسلام، قال غلوكسمان “لم يكن فولتير معاديا للإسلام، بل كان يتصدّى لكل أشكال العنف سواء عنف السلاح أو عنف الدين، كاثوليكيا كان هذا الدين، أم إسلاميّا أم يهوديّا. وهو يوضّح أن نقده ليس موجّها للقرآن ولا لله، وإنما إلى السلطة الزمنيّة والفكرية الموجودة على الأرض، وهذه هي مشكلة عصرنا”.

يلجأ غلوكسمان إلى فولتير للدفاع عن المهاجرين السريين، وعن الغجر الذين طردهم ساركوزي من فرنسا قائلا “النظر إلى أولئك المساكين وهم يغرقون في لومبيدوزا ليس حلاّ. المطلوب والمرغوب هو جواب أوروبي وأفريقي عاجل وسريع، أو حياة سلميّة وحرّة في جميع المناطق الأفريقيّة، وفي منطقة الشرق الأوسط. في انتظار ذلك، وبما أنه ليس في وسعنا أن نستقبل كلّ بؤس العالم، فإنه يتحتّم علينا إعداد سياسة موحدة للهجرة، وعلى بلدان أوروبا الشماليّة أن تساهم في المجهود الذي تقوم به البلدان المتوسطيّة”.

9