أندريه معلولي: نستطيع نقل ثقافتنا الموسيقية إلى العالمية

المدير العام لدار الأوبرا أندريه معلولي يؤكد أن هدف الثقافة في سوريا كما في كل دول العالم وخاصة الأوبرا ليس الربح بل نشر الثقافة ولو بشكل شبه مجاني.
السبت 2019/08/03
سيصبح بإمكان الغرب عزف الموسيقى العربية

على الرغم من الظروف التي مرت بها سوريا بشكل عام والتي كان لها الأثر البالغ على كل مناحي الحياة بما فيها الثقافية، ورغم محاولة تفريغ دار الأوبرا السورية من محتواها عبر استقطاب العشرات وربما المئات من العازفين والمغنين السوريين الذين عملوا بالأوبرا بعد تخرجهم من المعهد العالي للموسيقى بدمشق وتتلمذهم على أيدي أهم الخبراء السوريين والأجانب، بقيت دار الأوبرا صامدة تجاهد ما استطاعت للحفاظ على وجودها. في هذا الإطار التقت العرب أندريه معلولي، عميد المعهد العالي للموسيقى سابقا والمدير العام حاليا لدار الأسد للثقافة والفنون (الأوبرا) حول الدار وجديدها.

دمشق- على مدى سنوات الأزمة السورية لم تتوقف دار الأوبرا السورية يوما عن تنظيم الحفلات الفنية والعروض السينمائية والمسرحية، صحيح أن البعض من تلك العروض وخاصة الموسيقية منها كانت دون المستوى الذي يليق بالدار أو الذي عرف عنها، لكن يبقى هذا الجهد للدار والعاملين عليها جديرا بالوقوف عنده، خاصة وأن الأوبرا مؤخرا باتت تستقطب فنانين عربا لإحياء البعض من حفلاتها.

في حديثه لـ”العرب” عن تجربته كمدير للأوبرا وعن النشاطات والمشاريع القادمة يقول أندريه معلولي “بداية دار الأوبرا تعتبر سفيرة البلد الذي تنتمي إليه ومن خلالها يمكن إرسال رسائل إلى العالم، ولا شك أن لكل مدير رؤيته ونظرته، ولكن هذه الرؤية مرتبطة دوما بالواقع وبالظروف الراهنة، وليس بإمكاني إسقاط تجربة أي مدير سابق أو حالي أو عقد مقارنة بين مدير وغيره، لأن لكل زمان ومكان إمكانياته التي تحكم عمل مؤسساته”.

يتابع معلولي “في الأيام السابقة كان محكوما على الدار تقديم أعمال بالموارد المتوافرة لديها بغض النظر أحيانا عن المستوى الفني، ولكننا اليوم أصبحنا بوضع أفضل نسعى من خلاله لتقديم ما يعيد للدار بريقها والهدف الذي بنيت وأسست من أجله، ولهذا السبب ومن مبدأ الإيمان بالعمل الجماعي وليس الفردي لما يحمله من مصداقية واستمرارية، أسسنا لجنة ‘للبرمجة والمشاهدة‘ تتكون من أهم الشخصيات الموسيقية الموجودة حاليا في سوريا، لا يتم قبول أي عرض فني في الدار إلا بعد العودة إليها وأخذ موافقتها”.

الثقافة والموسيقى

الإيمان بالعمل الجماعي لما يحمله من مصداقية واستمرارية
الإيمان بالعمل الجماعي لما يحمله من مصداقية واستمرارية

الملاحظ مؤخرا الإقبال الكبير من الفنانين العرب على إحياء البعض من حفلات الأوبرا، عن ذلك يقول معلولي “نسعى إلى العمل ضمن الظروف المتاحة وفي سبيل ذلك نتواصل مع الأصدقاء الذين يحبون سوريا، وهم كثر في العالم، ولديهم الرغبة في الحضور حتى دون مقابل مالي، ولقد سبق للمعهد العالي للموسيقى أن كانت له تجربة مثيلة حين استعان ببعض الموسيقيين للتدريس عن بعد عبر برنامج سكايب، بعد أن غادرنا العديد من الأساتذة الروس والسوريين، وذلك كحل تعويضي في مرحلة معينة، ووجدنا الرغبة الكبيرة والتعاون من قبلهم”.

 ويؤكد أن دار الأوبرا اليوم تلقى نفس الاستجابة من الفنانين المحبين لها، مشددا على أن جل ما يتمناه هو إعادة الألق للدار، التي أصبحت فعليا بحاجة إلى الكثير من الصيانة، سواء بالنسبة إلى الأجهزة أو للمسارح، وعلى أنه حتى العاملين في الأوبرا يسيرون على خطى أستاذهم الموسيقي الراحل صلحي الوادي الذي أسس الأوبرا والمعهد العالي للموسيقى، صاحب الأيادي البيضاء الذي زرع بذرة الانتماء إلى هذا المكان، “فمن يأتي للأوبرا لا يأتي بدافع المال بقدر ما يأتي بدافع الانتماء، وبهذا المنطلق وبتلك المحبة ينجح العمل”.

ورغم أن دار الأوبرا تتقاضى مبالغ مالية من الجمهور لقاء فعالياتها، إلا أن تلك الأجور لا تتناسب مطلقا مع تكاليف العروض التي تقدم على مسارحها الثلاثة يوميا وعلى مدار السنة، عن تلك الضائقة المالية يقول معلولي “أحيانا لا يكون لدينا المال الكافي لتقديم عرض فني ومع ذلك نقدمه، فهدف الثقافة في سوريا كما في كل دول العالم وخاصة الأوبرا ليس الربح بل نشر الثقافة ولو بشكل شبه مجاني، والدولة حريصة على تقديم الثقافة للجميع، بحيث لا تبقى حكرا على طبقة اجتماعية معينة، ودار الأوبرا حين تنتج حفلا لنجم تتيح حضوره بأسعار رمزية، وهذه الأسعار على رمزيتها وجدت فقط لإشعار الآخر بأنه يساهم ولو بالقليل في هذه الدار، وليشعر بالقيمة الذاتية لنفسه”.

المعهد العالي للموسيقى في دمشق يتميز عن غيره في كون الخريج يتقن الموسيقى العالمية والعربية في آن معا

وبالنسبة إلى مهرجان الموسيقى العربية الذي كانت مقررة إقامته في نهاية شهر أغسطس والذي توقف، يؤكد معلولي أن هذا التوقف جاء نتيجة لرغبة الدار في تقديم المهرجان بصيغة مغايرة عن المعتاد بحيث لا يكتفي بأن يكون مهرجانا للموسيقى الشعبية والفرق الشعبية، بل على العكس من ذلك عليه أن يكون مهرجانا موسيقيا عربيا مخصصا للموسيقى العربية الصالحة للتقديم في الأوبرا.

 يشير أندريه معلولي إلى أن المعهد العالي للموسيقى في دمشق قد تميز عن غيره من معاهد الموسيقى في الوطن العربي في كون الخريج يتقن علوم الموسيقى العالمية والعربية في آن معا، مضيفا “لدينا حاليا بالإضافة إلى الفرقة السمفونية الأوركسترالية، فرقة الأوركسترا الوطنية للموسيقى العربية التي تهتم بتقديم الموسيقى العربية التي تُعنى بتقديم الموسيقى العربية بشكل أكاديمي موزع أوركستراليا بشكل صحيح، بينما وعلى سبيل المثال في مصر لديهم الكونسرفاتوار ومعهد الموسيقى العربية وعلى الدارس أن يختار، فعازف البيانو يدرس مقامات شرقية، وعازف العود يدرس هارموني التوزيع، بهذه الطريقة يمكننا إسقاط علوم الموسيقى العالمية على تطوير موسيقانا العربية، كما يفعل الموسيقي المصري عمر خيرت”.

 ويتابع “لدينا اليوم موسيقون عرب يكتبون موسيقى أوركسترالية عربية وتقدم في الغرب، ليس هذا فحسب بل إن البعض من الأغاني يعاد توزيعها وليس تشويهها كما يفعل البعض، بهذه الطريقة نستطيع نقل ثقافتنا الموسيقية إلى العالمية بحيث لا تبقى حكرا علينا، وسيصبح بإمكان الغرب عزف موسيقانا حين نتمكن من كتابتها، كما نعزف نحن الموسيقى الكلاسكية العالمية لموزرات وباخ وشوبان وغيرهم، وبالتالي نستطيع نقل ثقافتنا إلى الخارج وسيصبح لنا وجود ومن الممكن عبر تلك الموسيقى اكتشاف شخصية وفكر البلد، ودار الأوبرا حاليا مهمتها رفع الذائقة الموسيقية النخبوية لدى الجمهور السوري من خلال العروض الأكاديمية، فغاية المهرجان الأساسية هي التواصل بين عدة مدارس وأفكار وشخصيات موسيقية لتبادل الخبرات”.

مشاريع قادمة

دار الأوبرا السورية تحرص على رفع الذائقة الجماهيرية والحفاظ على التراث
دار الأوبرا السورية تحرص على رفع الذائقة الجماهيرية والحفاظ على التراث 

حرصا من الدار على رفع الذائقة الجماهيرية والحفاظ على التراث تبنت مشروعين، الأول متعلق بتوثيق التراث الموسيقي السوري والثاني مشروع توعوي لأطفال المدارس بالتعاون مع وزارة التربية لزيارة الأوبرا صباحا.

عن المشروعين يقول معلولي “الهدف من المشروع المتعلق بالأطفال، ليس فقط التعرف على مبنى الأوبرا كحجارة، بل التدريب على كيفية التعامل مع هذا المكان وأدبياته بالإضافة إلى إمكانية حضور البعض من عروض الأوركسترا واكتشاف الآلات الموسيقية بشكل حي، وذلك على اعتبار أن كل طفل من هؤلاء الأطفال هو مشروع عائلة في المستقبل وزيارته للأوبرا مرتين في العام إلى حين يصبح شابا ناضجا ستؤهله لتدريب أولاده على تلك الطقوس، لنحصل لاحقا على مجتمع مثقف موسيقيا يمكنه أن يتذوق الفنون بالشكل الصحيح، وهو أمر سينعكس بالتالي على مجمل الحياة مستقبلا، وسنلمس نتائج هذا المشروع متأخرا لأنه من المشاريع المديدة، بالإضافة إلى مشروع توثيق التراث السوري الذي بدأنا بتأسيس لجنة له وذلك للبحث في وضع التراث الموسيقي السوري وتسجيله، خاصة بعد أن لاحظنا التقصير الكبير بحق ذلك التراث”.

أما عن برنامج العروض الفنية القادمة فيؤكد أندريه معلولي أن الدار على موعد قريب مع الموزع والموسيقي اللبناني ميشيل فاضل والمطربة اللبنانية عبير نعمة، وأنه من المتوقع أن يكون حاضرا في شهر نوفمبر من هذا العام الموسيقار المصري عمر خيرت وفرقته، بالإضافة إلى حفل تم الاتفاق عليه مع الفنانة السورية ميادة حناوي، كما أنه ومع نهاية العام سيحضر خمسة مغنين أوبرا من باريس، وسيقام حفل خاص.

15