أندريه ميكيل مستشرق أخلص للثقافة العربية

اختلف مع طه حسين وترجم أمهات الكتب العربية ناقدا الاستشراق.
الأحد 2021/05/02
كاتب نأى بنفسه عن الموروث الاستعماري للثقافة الغربية

اقترن الاستشراق في الأذهان بمنظومة تفكير وتمثّل تشهد على الكيفية التي قارب بها الغرب الآخر وعامله عبر التاريخ. وبما أن الغرب يملك النفوذ والمعرفة، وكلتاهما تخوّل له فرض رؤيته للآخر كحقيقة صارمة، فإنه خلق في وجه من الوجوه الشرق، والشرقيّ وعالمه، والاستشراق بهذا المعنى ملمح من الاستعمار والإمبريالية. لكن هناك من المستشرقين من عشق الشرق لذاته دون خلفيات.

الاستشراق، بما هو علم الشرق بجغرافيته وتاريخه وثقافته وحضارته، ظل منذ أن اتخذ صبغة علمية محلّ مساجلات لا تنتهي، بين مناهضين أعربوا عن غيرة المسلم على تراثه، لاسيّما أن الظاهرة الاستشراقيّة تزامنت على امتداد القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين مع الحركة الاستعماريّة والتبشيريّة، وارتبطت بها في مواقع غير قليلة، إضافة إلى طبيعة المنهج الذي توخّاه المستشرقون في مقاربة التراث الإسلامي وخاصّة النصّ الديني، وهو منهج يقوم على معالجة فيلولوجيّة ولسانيّة وأنثروبولوجيّة وتاريخيّة لا تبالي بقداسة النصوص، بقدر ما تبحث في نشأتها وطرق انتقالها.

أما المدافعون فقد نظروا إلى الاستشراق بعين موضوعية، واعترفوا بدور المستشرقين في ترجمة أمّهات الكتب التراثية وتحقيقها، وفضلهم في إعادة اكتشاف المفكرين العرب، فضلا عن الاكتشافات الأثريّة، وبعث المتاحف الشرقيّة.

 “الاستشراق، كما يقول مكسيم رودنسون، ليس كتلة واحدة، والمستشرقون ليسوا فريقًا واحدًا، وليست غاياتهم واحدة؛ وبالتالي فإن التعميم لا يمكن أن يؤخذ به كأساس في اتهام المستشرقين الذين أعطوا الكثير من جهدهم لثقافات الشعوب الأخرى”.

عاشق العربية

مجموعات شعرية صاغها ميكيل باللغة العربية أوّلاً، ثم أتبع كلّ قصيدة بترجمتها إلى الفرنسية
مجموعات شعرية صاغها ميكيل باللغة العربية أوّلاً، ثم أتبع كلّ قصيدة بترجمتها إلى الفرنسية

بغض النظر عن كل الانتقادات الموجهة إلى المستشرقين، ينبغي الإقرار بأنهم أدّوا دورا كبيرا في إحياء عدد هام من كتب التراث الإسلامي، وبالتالي حفظوها من التلف والضياع، ووفروا للمهتمين بدراسة تاريخنا وتراثنا مادة أولية تسمح لهم بإنجاز بحوثهم ودراساتهم، كالألماني كارل بروكلمان والإيطالي فرنشيسكو غابرييلّي والمجري غولدتسيهر والفرنسيين إيفاريست ليفي بروفنسال وماسينيون.

من بين هؤلاء الذين نذروا حياتهم لإحياء جانب من تراثنا، الفرنسي أندريه ميكيل الذي خصه الشاعر والمترجم والأكاديمي العراقي كاظم جهاد بكتاب صدر مؤخرا ضمن سلسة “مائة كتاب وكتاب” التي يرعاها معهد العالم العربي بباريس ومؤسسة الملك فيصل، وهي سلسلة مخصّصة للتعريف بجهود المفكرين والكتاب ممن مدّوا بأعمالهم جسورا وطيدة بين الثقافتين العربية والفرنسية.

يفضل ميكيل أن يوصف بالمستعرب، نظرا إلى العلاقة الحميمة التي أقامها مع اللغة العربية وآدابها منذ مطلع الخمسينات في معهد إعداد المعلمين بباريس ثم في دمشق، بتوجيه من أستاذه ريجيس بلاشير، ثم تخصص في تدريسها في جامعة إيكس أون بروفانس وخاصة في الكوليج دو فرانس، الذي منحه كرسيّ اللغة العربية وآدابها طيلة ثلاثين سنة.

ولم يكتف بتدريس التراث العربي والإشراف على الرسائل الجامعية التي تناولت أوجها منه، بل شفع ذلك ببحوث مهمة مثل “جغرافية دار الإسلام البشريّة حتّى منتصف القرن الحادي عشر”، و”الإسلام، من الخليج إلى المحيطين”، الذي يعرض فيه الحضارة العربية – الإسلامية في امتداداتها الكبرى من شبه جزيرة العرب إلى حوض المتوسّط، فعبورها المحيطين الهنديّ والأطلسيّ، وشمولها غرب الإسلام ومناطق أخرى نائية، و”اللغة والآداب العربية التقليدية”، و”العرب: من الرسالة إلى التاريخ”.

 وشفعها أيضا بترجمات لعيون المدونة العربية التراثية من بينها “كتاب الاعتبار” لأسامة بن منقذ، و”كليلة ودمنة” لابن المقفع، وخاصة “حكايات ألف ليلة وليلة” (بالتعاون مع جمال الدين بن الشيخ)، وبفضله نشأت حركة اشتغال جماعي في تحليل الحكايات، بدأت عملها في فرنسا على أيدي باحثين من العرب والفرنسيين، ثمّ انتشرت عالميا، حيث لا يزال البحث المخصص لحكايات الليالي متواصلا.

وقد اضطلع ميكيل داخل هذه الحركة بدور أساس، فقد عمل على تحليل مفهوم “الغريب والعجيب” الذي رأى فيه النابض الأهم في تكوين الحكايات، وربطها بخلفيتها التاريخية والاجتماعية، لأن الحكايات في رأيه لا يمكن أن تتخلص من فضائها الذي نشأت فيه برغم طابعها الفنتازي؛ فضلا عن مختارات شعرية لأبي العتاهية وابن زيدون وابن خفاجة وسواهم، مبثوثة هنا وهناك في كتب كثيرة.

وقد بلغ به تشبّعه بالأدب العربي أن حاكى أساليبه، سواء في الشعر أم في السرد، حيث استلهم من ألف ليلة وليلة بعض قصصه، ومن فن المناظرة العربي كتابه “مناظرات بغدادية”. ورغم أن الأدب القديم مشغله الأساس، فقد اهتم أيضا ببعض ملامح الأدب العربي المعاصر، فكتب عن الرواية العربية المعاصرة وعن التقنية الروائية عند نجيب محفوظ والبنية الشعر لدى إلياس أبوشبكة.

تشبّع ميكيل بالآداب العربية وثقافتها على نحو دفعه إلى اتخاذها منطلقا لأعماله الإبداعية، إذ صاغ إبداعات تتمثل ذلك التراث كرواية “ليلى، عقلي” عن سيرة الشاعر قيس بن الملوح، و”حكايتا عشق، من المجنون إلى تريستان” التي قارن فيها بين مثالين عن الوله في الشرق (قيس وليلى) وفي الغرب (أسطورة تريستان وإيزوت).

وبلغ به عشقه اللغة العربية أن كتب بها قصائد كثيرة، منها ما هو منثور، ومنها ما هو موزون على بحور الشعر العربي، كما في “أشعار متجاوبة” وهو كتاب أعده وقدم له أيضا كاظم جهاد، وضمّ أربع مجموعات شعرية صاغها ميكيل باللغة العربية أوّلاً، ثم أتبع كلّ قصيدة بترجمتها إلى الفرنسية. وفي رأي المؤلف أن هذا الانغماس في الكتابة الأدبية يميز ميكيل عن بقية المستشرقين، باستثناء بعض كتابات جاك بيرك، فهو يمزج دقة البحث بجمالية الكتابة.

المثقف المخلص

Thumbnail

لم يكن أندريه ميكيل عاشقا للغة فقط، متجردا عن أهلها، بل كان يعيب على الغرب جهل حضارتنا وتعامله معنا بكثير من الاستعلاء، مدينا دعاة التفوق العرقي والحضاري الذين لا يظهرون صورة العربي وثقافته إلا مشوهة، حتى صار يُحسب على العرب.

ومن الطرائف الدالة أن بعض أقربائه، حين قرر العرب قطع النفط عن الغرب في مطلع السبعينات قالوا له “لقد دافع عربُك جيّدًا عن أنفسهم هذه المرة”، ما يعني أنهم يعدّونه واحدا منّا. ذلك أنه حقق ما عناه الفيلسوف ميشيل دو سيرتو “وثبة نحو الآخر” جعلته يتماهى مع العرب وثقافتهم وينذر لهم حياته، دون أن يتخلى عن هويته ولغته وثقافته ورؤيته للعالم.

وقد عرف عنه نقده الشديد للاستشراق التقليدي، وتبنيه نمطا من الاستشراق ينأى بنفسه عن الموروث الاستعماري للثقافة الغربية، مصطفّا إلى جانب ماسينيون وبلاشير وبيرك ومونتوي الذين كانوا يتبنون التوجّه نفسه، حيث يؤكّد على ضرورة التزام استشراق ما بعد الكولونيالية بقواعد محددة، كي لا يحيد البحث عن الموضوعية، أهمها: أولا، ضرورة البحث عن تصور المسلمين أنفسهم لشخصياتهم التاريخية والتراثية، من أجل فهم موضوعي لتلك الشخصيات. ثانيا، عدم تدريس النحو العربي وقواعده من منظور اللغات الغربية. ثالثا، عدم إسقاط قواعد الشعر الغربي وذائقة متلقيه على الشعر العربي، بل وضع ذلك الشعر في إطاره التاريخي والثقافي والبحث عن موقعه داخل بيئته الأصلية.

أندريه ميكيل لم يكتف بتدريس التراث العربي بل قدم بحوثا وترجمات من العربية التي ألف بها عدة كتب

 وخلافا لما ذهب إليه طه حسين عن الشعر الجاهلي، يعتقد ميكيل أن الأدب العربي الذي سبق الإسلام لم ينل دلالته وقيمته إلا بمجيء الإسلام، الذي أعاد هيكلة الثقافات السابقة له، ومنح اللغة العربية أساسا متينا، ووحدة شاملة سمحت لها بالانتشار خارج الفضاء الجغرافي الذي كانت محصورة فيه، أي الجزيرة العربية.

كان يمكن أن يقلع عن مشروعه بعد الحادثة الغريبة التي تعرض لها عام 1961 عندما عُيّن مسؤولا عن البعثة الثقافية الفرنسية في مصر، تمهيدا لعودة العلاقات الدبلوماسية بين بلد الكنانة وفرنسا، وكانت قُطعت عقب العدوان الثلاثي، ووجد نفسه مع بعض رفاقه في السجن متّهما بالتّجسس، رغم حصانته الدبلوماسية، مجبرا على ارتداء زيّ خاص بالجواسيس عند حبسهم، عرضة للأذى الجسدي واللفظي والمعنوي، ولم يفرج عنه وعن رفاقه إلا بعد تدخل الجنرال ديغول، الذي طالب السلطات المصرية باتخاذ قرار من اثنين: إما إخلاء سبيلهم، أو محاكمتهم دون تأخير.

ثمّ اتّضح أن المخابرات المصرية أخطأت في تأويل المراسلات التي كان الدبلوماسيون الفرنسيون يتبادلونها. من ذلك مثلا عبارة “حيوان سياسي” الأرسطية التي أخِذت مأخذ الإساءة إلى جمال عبدالناصر. وقد تحدث بيرك عن تلك التجربة الأليمة في رواية “وجبة المساء”، دون تهويل أو استدرار شفقة أو إدانة.

ولم تمنعه تلك التجربة المريرة من مواصلة مشروعه، إذ ظل وفيّا لعشقه، لا ينفكّ يبحث في اللسانين، لسانه الأصلي ولسان الآخر، العربي تحديدا، عن حوار متبادل لإقامة “نشيد ثنائيّ”، على حدّ تعبيره.

يقول كاظم جهاد في خاتمة هذا الكتاب القيمّ، الذي أفرد له نماذج من إبداعات أندريه ميكيل “هو رجل أحبّ الثقافة العربية في مقتبل شبابه، وصيّر من علاقته بها هوى مشبوبًا، وقرارا ظلّ أمينا له أمانة مطلقة (…) نشاطٌ فعّال (…) لم تفلّ منه الملابسات الأليمة ولا الأحداث المدوّية” .

10