أندري دوران الفنان الذي أراد أن يجمع في لوحته كل الفنانين

أندري دوران، وهو فنان مغامر، خالط الكبار من براك وبيكاسو إلى ماتيس وفلامينك، وساهم في الحركات الطليعية الكبرى، ولكن تردده بين مختلف المدارس لم يجعله خارج التصنيف فحسب، بل جعله أيضا خارج مدار اهتمام المتاحف والمعارض، إذ غالبا ما يذكر في سياق الحديث عمن خالطهم، دون أن يُفرد له معرض خاص.
الاثنين 2017/10/23
التحرر الدائم من كل القوالب

حتى موفّى شهر يناير 2018، يحتفي مركز بومبيدو بباريس بالرسام الفرنسي أندري دوران، الذي يعتبر من أكثر الفنانين العالميين تنقلا بين مدارس الفن، وبين مختلف أنساقه، في تأكيد على أن الفن لا يعرف طريقا ثابتة لا حياد عنها، بل هو تجربة مستمرة لا تقف في حدود وهو ما أدى إلى صعوبة الولوج إلى عالم دوران المتنوع والثري والمختلف.

يعترف نقاد الفن ومؤرخوه في فرنسا بأن أندري دوران (1880-1954) يمثل حالة مستعصية، فهم لا يعرفون كيف يحدّدون انتماءه، رغم أنه شارك في حركتين من أبرز حركات الطليعة في القرن العشرين وهما التوحشية والتكعيبية.

تقنيات دوران الفنية لم تستقر على حال، متذبذبة بشكل يصعب تلمس مراحل التطور فيها، بخلاف ماتيس وبراك وبيكاسو

فهو ملهم الحركة الأولى التي نشأت حينما كان يقضي وقته في الرسم رفقة ماتيس خلال صيف 1905 في كوليور على سواحل البيريني الشرقية المطلة على المتوسط. وقوبل المعرض الذي أقاماه في خريف ذلك العام بالنقد اللاذع ووُصما بالجهل والجنون.

ولكن سرعان ما التحق بهما أصدقاؤهما أمثال شارل كاموان، وجان بوي، وهنري شارل مانغان، وموريس فلامينك ليشكلوا ما اصطلح عليه بالتوحشية.

أما الحركة الثانية، أي التكعيبية، فقد انخرط فيها دوران لجيرته ببيكاسو في حي مونمارتر، وعلاقته بجورج براك ملهمها الأول، ولم يفرّق الأصدقاء الثلاثة سوى الحرب العالمية الأولى عام 1914.

بعد نهاية الحرب، اختار دوران واقعية تراوحت بين الفن الفلمندري في القرن السابع عشر ومقاربات أصدقائه الجدد أمثال غوستاف كوربيه وجان باتيست كورو، بينما عاد براك إلى التكعيبية، واستقر ماتيس في نيس ليبدأ سلسلة جواريه، وأمعن بيكاسو في تجاربه، فحاز ثلاثتهم شهرة عالمية، فيما ظل دوران شبه مغمور، رغم موهبة لا تنكر.

بعض المؤرخين يعزون ذلك إلى سلوكه خلال الاحتلال، إذ أدى مع ثلة من الفنانين والمثقفين زيارة إلى برلين عام 1941 عُدّت تواطؤا مع المحتل النازي وخيانة للوطن. ولكن آخرين يؤكدون أن عدم ثباته على لون محدد منذ بداياته عام 1903 هو الذي جعله أقل أصدقائه الثلاثة الأوائل شهرة، ففي كل سنتين أو ثلاث كان دوران يغير فنه فيرسم لوحة كبرى أشبه بالمانيفستو يقطع فيها مع تجاربه السابقة ويعلن فتحا جديدا.

دوران شبه مغمور

وهو ما جعل تقنيته الفنية لا تستقر على حال، متذبذبة بشكل يصعب تلمس مراحل التطور فيها، بخلاف ماتيس وبراك وبيكاسو. فقد بدأ حياته الفنية متأثرا بالانطباعيين، لا سيما مونيه وسيزان، بعد أن انقطع عن الدراسة في سن مبكرة ليعمل ناسخا في متحف اللوفر، ويتعرف على فناني عصره، بيد أن دوران، خلافا لسيزان الذي كان يثبت محمله في المكان نفسه، كان دائم البحث عن موتيف جديد، ومشهد مغاير، ومادة طازجة، فظل يتردد بين المدارس القديمة من الفن الفينيسي والفلمندري إلى فنون الشرق الأقصى والفن الزنجي، ونهل من رونوار ومودلياني والديواني روسو دون أن يقر له قرار، وكأنه كان يريد جمع كل الفنانين في شخص واحد.

وكان من أثر تلك المغامرة التي لا تعرف حدودا أن أثنى عليه السرياليون من بروتون إلى ماكس جاكوب وإريك ساتي، وعشِقه جاكوميتي.

عندما نتأمل الأعمال المعروضة، وقد تركزت على السنوات العشر الخصيبة، أو العشرية الراديكالية كما سماها منظمو المعرض، نكتشف عوالم ومدارس ومؤثرات عديدة، سواء في لوحاته أم في منحوتاته ومنقوشاته ورسومه المائية وتخطيطاته على الورق، تتأرجح بين الالتصاق بالواقع واستكشاف عوالم مستحدثة حتى أن صديقه أبولينير وصفه بـ”كونكيستادور” الفن المعاصر، نظرا إلى روح المغامرة ولذة الاكتشاف اللتين كانتا تجمحان به، فقد سعى في خضم بحثه عن تعبير فني حرّ إلى تحرير اللون ثم تحرير الشكل، ومضى أشواطا بعيدة في التجريب، ثم عاد لينكر كل ذلك، وينتقد بشدة المدارس الطليعية التي انتمى إليها، فاعتبر أن الانطباعية هي “رسم فتيات لهن نزر من الفن”، وأن الفن غير التصويري تافه “كلما ازداد تجريدية ازداد تفاهة”، وأن التوحشية “حكاية صبّاغين” وأن التكعيبية “شيء غبيّ يثير حفيظته”، ولم يسلم منه حتى سيزان إذ عدّ فنه “رخوا كطحين الأرز”.

هذا الفنان العصامي لم تقتصر جهوده على الفنون التشكيلية وحدها، بل شملت أيضا إعداد الديكورات والأزياء لعدة عروض باليه، وإنجاز رسوم لنحو ثلاثين كتابا علاوة على المعلقات الإشهارية.

كما زوّد أبولينير برواشم على الخشب لكتابه النثري الأول، وصنع عرائس ميكانيكية لمغازة دياغيليف الروسية. ورغم ذلك، لم يشفع له نبوغه في الحصول على اعتراف مستحق، إذ ظل منسيا، يكاد لا يذكر إلا مضافا إلى هذا الفنان أو ذاك، وإلى هذه الحركة أو تلك، وكأنه ديكور لا يكتمل المشهد من دونه.

عاش دوران دائم البحث عن الجديد، يبتكر ويفتح السبيل ثم ينصرف إلى تجارب أخرى تاركا غيره يُعبّد ما مَهّد. قال عنه الناقد بيير كابان “كان ذا موهبة كبرى، جرب كل شيء، دون أن يعمّق أي شيء، إذ كان يمر من مدرسة إلى أخرى، دونما فلسفة ولا غاية”.

16