أندري سيرفيرا فنان فرنسي يستعيد لوحات شهيرة ليمنحها حيوية الراهن

الفنان التشكيلي رحّالة مهووس بالبحث والتجديد الفني وهو مبدع الرسوم المدفونة تحت الأرض.
الاثنين 2019/01/14
التاريخ يعيد نفسه في شكل لوحة

من الرسامين المحدثين الذين يراكمون التجارب بحثا عن صيغ الفن الشامل، الفرنسي أندري سيرفيرا، أصيل مدينة سيت الساحلية، الذي عرض له رواق فريدريك روليت بباريس لوحات تمثل منعطفا جديدا في تجربته الفنية الثرية.

عرفنا الفرنسي أندري سيرفيرا أندري سيرفيرا رحّالة لا تكاد تنقطع أسفاره إلى مختلف القارات، حيث ينهل منها عناصر تغذي تجربته وتوسّع أفقه، ويحتذي بممارسات يجدد على ضوئها رؤيته وأدواته الفنية.

وعرفناه أيضا مغامرا لا يتنكب عن البحث والتجديد، سواء في الفنون التشكيلية أو في مجالات الخلق الأخرى، فقد انخرط في العمل الفني منذ مطلع السبعينات رفقة أخيه ميشيل “شاعر التصويرية الحرة” الذي عرف باسم ميشيل زوم، ثم التحق بمعهد الفنون الجميلة في مدينته سيت، قبل أن ينتقل إلى معهد الفنون بمرسيليا حيث هجر الدروس الأكاديمية ليؤسس مع صديقيه ألدو بياسكامانو وتينو كوسنتينو مجموعة “ياروس”.

هذه المجموعة التي جلبت الاهتمام ما بين عامي 1982 و1986 بدعوتها إلى الفن الشامل، وممارسة الرسم المشترك بشتى أنواعه، مازجة أعمالها بالشعر والمسرح والسينما التجريبية والأداء والاستعراض على غرار فناني الـ”روك أند رول”، وتركت أعمالا صنفها النقاد في خانة “التصويرية الحرة”. وبعد انفراط عقدها، هجر أندري سيرفيرا ذلك التوجه، واختار أسلوبا تعبيريا ينهل من تجارب المجريّ أوسكار كوكوشكا (1886-1980) والبلجيكي جيمس إنسور (1860-1949) وخاصة الحركة التعبيرية الألمانية “الجسر” التي ظهرت في درسدن عام 1905. ثم انجذب بعدها إلى تعبيرية لاتينية قبل أن تصطبغ تجاربه بما يكتشفه في رحلاته إلى بلدان عديدة كالسنغال ومالي والمغرب وإسبانيا وكرواتيا والهند والصين.

فكانت أعماله شاهدة على تلك التقاطعات المتعددة الأقطاب، إذ تنقل بين تقنيات عديدة كإعادة تدوير الورق المرسوم، ولافتات الإعلانات، ليربط بين الأفراد والثقافات وأنماط الحياة والرموز، مستفيدا في كل رحلة من تقنيات الأرض التي حل بها.

أندري سيرفيرا الفنان والإنسان لا يستطيع أن يقنع بما يعرف، ولا يحب الانغلاق في دائرة ضيقة أو اجترار ما هو متداول

وعلى قدر رحلاته تلك، كان يشحذ أسلوبه ويتخير بصماته وتقنياته التلوينية ليطور الكولاج والطلية والشفافية، ويستعمل أوراقا نادرة، ويغذي خياله المجنح، غايته من وراء ذلك أن ينقل لنا علاقته بالعالم.

ولعل أطرف تجربة هي لوحاته المدفونة، حيث يرسم لوحات ثم يقوم بردمها تحت الأرض زمنا قد يطول وقد يقصر، ثم يخرجها بعد أن تكون قد تعرضت لعوامل كثيرة كالرطوبة والبلى والتحلل والتآكل.

خطرت بباله هذه التجربة حين زار منطقة الدوغون غربي مالي ورأى النحاتين المحليين يدفنون منحوتاتهم لجعلها قديمة قبل الأوان، فيتركونها عرضة للأمطار والنمل الأبيض، ثم ترسّخت لديه تلك الفكرة عقب زيارته لشنغهاي وبيكين حيث وقف على مدى أهمية التراب والنار في الثقافة الطاوية، فقرر مجاراتها، إذ بادر عند عودته إلى دفن لوحاته في حديقة بيته، وتركها مدة نهبا لعوامل الطبيعة. ولما استخرجها اشتغل عليها كما يشتغل النحات على قطعة أثرية تراكم عليها الصدأ والأتربة، فأعاد تفاصيلَ وجلّى جوانبَ وأوجد عدة أبعاد، ثم أحاط رسومه مثلما اعتاد، فخلق ما يشبه الرسم الجداري، وصار عالِمَ آثاره الخاصة.

والجديد في معرضه الأخير المقام حاليا في رواق فريدريك روليت الباريسي، الذي يضم نحو عشرين لوحة كان أنجزها ما بين 1985 و2013، هو اختياره لوحات شهيرة لكبار الرسامين من رامبرانت وفرنسيس بيكون، ودييغو فيلاسكيث، وأوجين دولاكروا، وفرنسيسكو دو غويا، إلى بيكاسو، وجيمس إنسور، وفان غوغ، ثم عمد إلى إعادة رسمها على طريقته، مستفيدا من أسلوبهم في مقاربة الواقع، من جهة الألوان والأشكال، ومن جهة الثيمات أيضا، فالمعروف أن أولئك الرسامين اهتموا بمآسي الإنسان، وتمرده على أوضاعه البائسة، وثوراته ضد الجور والاستبداد.

رسم العالم في أشدّ تجلياته غلوّا
رسم العالم في أشدّ تجلياته غلوّا

وتلك اللوحات تمّ تنزيلها في واقعنا الراهن، فماريان، رمز الحرية، التي تقود الشعب الفرنسي في لوحة دولاكروا، صارت عنده امرأة بأحد شوارع دمشق تقود الشعب السوري إلى الحرية، أما الوريثة الإسبانية في لوحة فيلاسكيث، فتبدو هنا محرجة لتغيير ثيابها أمام الأنظار.. كذلك بقية اللوحات التي تتبدى فيها إدانة ظرف أو وضع متشحة بوشاح جمالية تعبيرية، يعتقد سيرفيرا أنها خير وسيلة لرسم العالم في أشدّ تجلياته غلوّا.

ذلك هو سيرفيرا، أحد أقطاب مدرسة سيت، الذي ارتبط بها منذ أن رأى النور عام 1962، واكتشف في فضائها كل ما يتوق إليه الفنان من نور وصفاء وألوان، وحفظ على ساحلها أشعار بريفير ولوركا وروبير دينو.. حتى ليحار المرء لماذا تنتابه دائما رغبة الأخذ من الثقافات الأخرى والبحث عن مناهل بعيدة؟

والسبب، كما يقول، أن تلك الثقافات ليست غريبة عليه، صحيح أنه نتاج غربي، أوروبي، فرنسي مشوب بدم إسباني، ورغم تعلقه بمدينته، تنتابه في الغالب رغبة الارتحال مدفوعا برياح الثورة والحرية التي هبّت على مهده منذ الولادة، فقد كان أبوه مناضلا في صفوف الحركة العمالية في إسبانيا التي عرفت بـ”الأنارشيست”، فهو لا يستطيع أن يقنع بما يعرف، ولا يحب الانغلاق في دائرة ضيقة أو اجترار ما هو متداول.

 كان الفنان الفرنسي أندري سيرفيرا يتطلع إلى أطعمة ونكهات وروائح وأنغام وأنماط عيش أخرى.. باختصار كان يريد أن يعيش حياته بامتلاء.

16