أندري كومت سبونفييل: الكفاح من أجل العقل والحرية ضرورة حضارية

أندري كومت سبونفييل، فيلسوف فرنسي مادي على طريقة أبيقور، عقلاني على طريقة سبينوزا وإنساني على طريقة مونتاني، كما يعرف نفسه بنفسه. كان تلميذا ثم صديقا للفيلسوف لويس ألتوسر. وليس غريبا أن يكون عنوان الرسالة الجامعية المقدمة سنة 1983 تحت إشراف الفيلسوف مارسال كونش “عناصر من أجل حكمة مادية”. هو عضو “اللجنة الاستشارية الفرنسية في مسائل الأخلاق” منذ مارس 2008. “العرب” التقت سبونفييل، وتحدثت إليه حول العديد من المحاور، فكان هذا الحوار.
الثلاثاء 2015/08/25
أنا مثل مونتاني أحب الحياة

صدر لأندري كومت سبونفييل أكثر من 20 كتابا ترجم أغلبها إلى حوالي 24 لغة، من بينها “المعجم الفلسفي”، “هل الرأسمالية أخلاقية؟”، “الفن، من أفلاطون إلى جيل دولوز”، “عن الجسد” وآخر ما صدر له في شهر يناير المنصرم “من التراجيديا إلى المادية، ذهابا وإيابا، 26 دراسة حول مونتاني، باسكال، نيتشه وآخرين”.

سبونفييل من الفلاسفة المعاصرين القلائل الذين صاغوا فلسفة خاصة بهم، وقدموا رؤية شخصية حول العالم والحياة.

أصدر أخيرا “من التراجيديا إلى المادية…”، تحدث فيه عن البعد المأساوي للحياة، ولكنه على عكس الفيلسوف سيوران صاحب “مساوئ أن يكون المرء قد ولد”، فهو يقول بأنه سعيد بولادته، في هذا الإطار، يقول سبونفييل: نعم نعم! أعتبر الحياة حظا عظيما، ولا أحب الناس الذين “يبصقون في الحساء” كما نقول في التعبير الفرنسي، بمعنى آخر لا أحب هؤلاء الذين يتظاهرون باحتقار ما ينتفعون منه.

لست سيوران

يضيف سبونفييل قوله: إن كان سيوران نادما على ولادته حقيقة، فالدواء كان في متناول يده؛ كان عليه أن ينتحر ويحل المشكلة من أساسها. ولكنه مادام لم يفعل ذلك، فهذا يعني بدون أدنى شك أنه كان يعتبر أن محاسن الحياة أكثر من مساوئها. ولكن لماذا كتب سيوران عددا كبيرا من الكتب ليدعي عكس ذلك؟

في الحقيقة تجربة سيوران أكثر تعقيدا من هذا ولكن سبونفييل يقول عن تجربته “في ما يخصني، فأنا مثل مونتاني: أحب الحياة. ولكنني لا أعتبر الانتحار كحق من حقوق الإنسان مثله، ولا يبدو لي مبررا إلا في حالة ألم أو شقاء شديدين. وأنا أبعد ما يكون عن ذلك: لا أشعر بأدنى ندم على وجودي في هذه الدنيا وليس لي أية رغبة في الرحيل”. يعتبر الفيلسوف الفرنسي أن المادية والمأساوية عبارة عن توأمين يسيران معا، عن هذه المسألة يؤكد سبونفييل أن المأساوية هي الأخذ بعين الاعتبار وبشكل نهائي غير قابل للمواساة كل ما هو مرعب ومخيب للآمال أو مثبط للهمم داخل الشرط الإنساني. أما المادية بالمعنى الفلسفي للكلمة فهي الاقتناع بأن كل شيء مادة أو منتج للمادة ومن هنا فلا وجود إذن لأي واقع لامادي ولا قوة غيبية مسيطرة ولا روح.

المواجهة اليوم ليست بين المؤمنين وغير المؤمنين وإنما بين العقول الحرة والمتسامحة والعقول الدوغمائية اللامتسامحة

ويضيف: المأساوية في واقع الأمر هو عكس ما يأمل المرء. مثلا أنا أفضل أن أكون خالدا لا أموت، ولكن تقنعني المادية بأن ذلك مستحيل. أحبذ أن أكون حرا بشكل مطلق وتضطرني المادية لأواجه أنواعا شتى من الحتميات: بيولوجية ونفسية واجتماعية وغيرها. كما أود أن أصل إلى حقائق مطلقة في حين أن المادية تعلمني أن ذلك من المستحيلات. وأرغب في التخلص من العزلة وتذكرني المادية أنها، بحكم محدودية الجسد، جزء من الشرط الإنساني.

وكنتيجة لذلك يؤكد محدثنا “لا ينبغي انطلاقا مما سبق ذكره أن نخلط بين المأساوية والنزعة التشاؤمية ولا بين المأساوية والعدمية. قد يقول قائل إنه إذا كانت الحياة لا قيمة لها، فلن يكون فقدانها مأساويا. إلا أن العكس هو الصحيح، فالحياة ثمينة وعزيزة لأننا ذائقون الموت، وكلنا فانون. وبمعنى آخر فالموت مأساوي لأننا نحب الحياة. وبما أننا لسنا أحرارا فنحن نجري وراء التحرر على الدوام. وفي غياب علاقة مطلقة بالمطلق أصبحت المعارف النسبية والجزئية، ذات أهمية قصوى في عيوننا. ولأننا وحيدون، غدا الحب قويا ونادرا وغير قابل للتعويض”.

عن دور الفيلسوف اليوم أمام كل هذا النقصان، يقول سبونفييل “يبقى الفيلسوف يلعب نفس الدور الذي لعبه في كل الحقب التاريخية الماضية، فدوره هو دائما التفلسف وليس إعطاء الدروس الأخلاقية للعالم كله. هو ليس ناطقا رسميا باسم الخير وإنما يحاول أن يقول بعض الحقيقة في مجال اختصاصه لعله يضيف قليلا من الذكاء، من الفهم، من الموضوعية ومن العقل النقدي. ويمكن أن يشارك في الحصص الإذاعية والتلفزيونية ويكتب في الجرائد كما أفعل مرارا حينما أناقش الأحداث. ولكن يبقى الجوهر في كتبه حينما يتعلق الأمر بالفلسفة”.

سبونفييل من الفلاسفة المعاصرين القلائل الذين صاغوا فلسفة خاصة بهم وقدموا رؤية شخصية حول العالم والحياة

الدين والفلسفة

هل تعني “عودة الدين” انهزاما للفكر الفلسفي؟ عن هذا السؤال، يجيب “لا أظن ذلك. إذ كان كل الفلاسفة الكبار في التاريخ غير ملحدين، بل وكان كثير منهم منخرطين في مسعى ديني صريح. انظر مثلا تجربة أفلاطون وأرسطو وليبنتز أو إيمانويل كانط. هذا من جهة ومن جهة أخرى، أعتقد أن تلك الفكرة القائلة بعودة مزعومة للدين مبالغ فيها، لأن كل الديانات هي في تراجع مستمر في أغلب البلدان المتقدمة. ويبدو ذلك واضحا في أوروبا حيث هجر الناس الكنائس وأصبحت شبه خاويات من المؤمنين”.

ويتابع قوله: حتى في الولايات المتحدة الأميركية، نشهد نفس الشيء إذ تضاعف عدد الملحدين أربع مرات في سنوات قليلة. وبلا ريب، يختلف الأمر في ما يخص الدين الإسلامي، ويعود الأمر أكثر إلى عامل الديموغرافيا منه إلى أهمية عدد الداخلين في الإسلام بأوروبا. وفي نهاية الأمر، فحتى في ما يتعلق بالإسلام، فليس هناك ازدياد في نسبة المؤمنين بقدر ما هنالك تعزيز لصفوف التيارات الراديكالية الأصولية أو المتعصبة. وهو بطبيعة الحال خطر كبير جدا. إذن، إن ما يدل على هزيمة الفكر الفلسفي ليس “عودة الدين” وإنما انتصار التعصب الديني وهو سبب إضافي لمحاربة كل أصناف التشدد”.

وعن موقفه الشخصي من الدين، يقول ” شخصيا أنا ملحد. ولكن لا يقلقني تدين الآخر أو دينه إطلاقا إذا اعترف بحقي في عدم الإيمان. والمواجهة اليوم ليس بين المؤمنين وغير المؤمنين وإنما بين العقول الحرة والمتسامحة سواء كانت مؤمنة بالله أم لا والعقول الدوغمائية واللامتسامحة بغض النظر عن الإله الذي يدّعي هؤلاء الإيمان به ومنهم من لا يؤمن بشيء في الحقيقة. ودائما وأبدا، يبقى الكفاح دفاعا عن الأنوار مستمرا، لذا فالكفاح من أجل العقل والحرية ضرورة حضارية”.

14