أندية أوروبا تبحث عن العقلانية وسط الإنفاق المفرط في الميركاتو

وصلت سوق الانتقالات الصيفية في أوروبا إلى ساعاتها الأخيرة، مع إقفال السوق في منتصف ليل الخميس، وبعد أن حطمت هذه الانتقالات كل الأرقام القياسية المسجلة سابقا، سواء من حيث أغلى صفقة للاعب كرة قدم في التاريخ، أو من حيث إنفاق الأندية الإنكليزية التي تفوّقت على نفسها مجددا.
الخميس 2017/08/31
ثاني أغلى صفقة بعد صفقة نيمار

باريس - أنفقت أندية كرة القدم الأوروبية مبالغ طائلة على الانتقالات هذا الصيف وصلت إلى مستويات لم تعهدها سابقا، ما يطرح أسئلة عن العقلانية والمخاطر التي تقدم عليها أندية اللعبة الشعبية الأولى. ولاقى الإنفاق الأوروبي انتقادات من بعض مسؤولي الأندية أنفسهم، ومنهم رئيس نادي ليون الفرنسي جان ميشال أولاس الذي اعتبر أن “التطور الراهن للأسعار، كما الرواتب، يهدّد استقرار كرة القدم الفرنسية وربما حتى كرة القدم الأوروبية”.

وشكّل نادي باريس سان جرمان الفرنسي المملوك من هيئة قطر للاستثمارات الرياضية، أبرز الناشطين في فترة الانتقالات الصيفية التي تنتهي في 31 أغسطس. فهو حطم الرقم القياسي العالمي بدفعه 222 مليون يورو لضم البرازيلي نيمار من برشلونة الإسباني، ويستعد لإنفاق 180 مليون يورو لضم المهاجم الشاب كيليان مبابي من موناكو. وبعملية حسابية بسيطة، يتبين أن نيمار (25 عاما) الذي تردد أنه سيتقاضى راتبا سنويا صافيا يقارب 30 مليون يورو، كلف النادي الفرنسي أكثر من كلفة بناء “أليانز أرينا”، ملعب نادي بايرن ميونيخ بطل ألمانيا، والذي يعدّ من أشهر ملاعب كرة القدم عالميا.

وقال أولي هونيس رئيس بايرن ميونيخ إن القيمة الضخمة لصفقات انتقال لاعبي كرة القدم ستضر اللعبة وقد تتسبب في إبعاد المشجعين. وقال هونيس “في رأيي لا يوجد أي لاعب في العالم يستحق 100 مليون يورو”. وأضاف الرجل الذي استعاد رئاسة بايرن العام الماضي بعدما قضى فترة في السجن بسبب التهرّب الضريبي “لا أريد شراء لاعب مقابل 100 مليون يورو حتى لو امتلكت المال. هذا سيكون إهدارا كبيرا للمال”.

ويعدّ بايرن، بطل أوروبا خمس مرات، من أغنى أندية كرة القدم في العالم وأبرم مؤخرا صفقة قياسية بالنسبة إلى النادي نفسه عندما ضم الفرنسي كورنتين توليسو مقابل 41.5 مليون يورو. وقال هونيس “لقد وصلنا إلى نقطة يجب أن نتعامل معها بحذر شديد. لأنه في نقطة ما ربما تعاني الجماهير”. وأضاف “حان وقت العودة للتناسب. على مدار فترة طويلة كان الخوف من الوكلاء واللاعبين وغير ذلك.. الآن يجب أن نقول هذا يكفي”. وسبق أن انتقد كارل-هاينز رومنيغه الرئيس التنفيذي لبايرن قيمة الصفقات الضخمة وقال إنه يفضل بناء استاد على التعاقد مع نيمار مقابل ما دفعه باريس سان جرمان.

في ظل هذه الأرقام الخيالية، تطرح الأسئلة حول مصير الأندية الصغرى وحتى المتوسطة، غير القادرة على المنافسة ماليا

سوق واعدة

يرى الباحث في المركز الدولي للدراسات الرياضية لويك رافنيل أن “سوق الانتقالات لم تصبح مجنونة، لكنها واعدة بشكل كبير”. ويضيف “هذا قطاع يشهد نموا دائما، والمستثمرون يشعرون أنهم قادرون على تحقيق الأرباح فيه”، متابعا “لا أرى أن هناك أسبابا قد تدفع إلى توقف نموه. هذه رياضة (كرة القدم) في ختام مسار تعولمها الشامل، وتثير الاهتمام حاليا في آسيا وحتى في أميركا الشمالية”.

ويعتبر رافنيل أنّ ما تقوم به الأندية الأوروبية البارزة، ومنها برشلونة وريال مدريد الإسبانيان وقطبا مدينة مانشستر الإنكليزية، أو حتى يوفنتوس الإيطالي، هو “التنافس بالملايين لاستقطاب النجم المقبل، عدم تفويت فرصة الحصول عليه، وحرمان المنافسين منه”.

ويرى أن ذلك يحصل من منطلق كروي ورياضي يقوم بالدرجة الأولى على إحراز لقب المسابقة القارية الأهم، أي دوري الأبطال، ولكن أيضا من منطلق قدرة هذا النجم على توفير عائدات ترويجية وحقوق بث تلفزيونية وعائدات دعائية، ما يساهم أيضا في رفع سعره.

وطور مركز الدراسات الرياضية برنامجا خوارزميا قادرا على تقييم أسعار اللاعبين بناء على معطيات عدة، منها أداؤه على أرض الملعب، وهامش التطور الذي يتمتع به، وقدرته الترويجية، وغيرها… وبموجب هذا البرنامج، تبيّن أن “سعر” نيمار على سبيل المثال يصل إلى 247.3 ملايين يورو، وهي قيمة مستندة بشكل كبير إلى موهبته الكروية وقدرته الإعلانية والترويجية، لا سيما لكونه يتمتع بالعشرات من الملايين من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي. أما مبابي الحديث العهد على الساحة الكروية، إذ يبلغ الـ18 من العمر وشارك في موسم واحد فقط مع موناكو، فبلغ سعره “فقط” 101 مليون يورو حسب هذا البرنامج.

لم يكن باريس سان جرمان النادي الوحيد الذي أنفق بشكل كبير في سوق الانتقالات هذا الصيف. فالأندية الإنكليزية التي تستفيد من عائدات اتفاق ضخم بشأن البث التلفزيوني، أنفقت هذا الصيف مبلغا قياسيا وصل إلى 1.17 مليار جنيه إسترليني (1.57 مليار دولار)، حسب ما أفادت الأسبوع الماضي شركة “ديلويت” للتدقيق.

وفي ظل هذه الأرقام الخيالية، تطرح الأسئلة حول مصير الأندية الصغرى وحتى المتوسطة، غير القادرة على المنافسة ماليا. ويسأل الباحث رافنيل “هل يجب أن تؤول كل الأموال التي يتم إنفاقها في سوق الانتقالات، إلى اللاعبين ووكلاء أعمالهم، أم يمكن البحث عن عملية إعادة توزيع منطقية” تضمن للأندية الأصغر عائدات معينة تتيح لها البقاء في دائرة المنافسة على الأقل. يضيف “في نهاية المطاف، (الأندية الأصغر حجما) هي التي تقوم بتنشئة هؤلاء اللاعبين وتقدّم لهم فرصة للعب” قبل أن يصبحوا نجوما.

مبالغ طائلة

انتقد الإيرلندي روي كين، النجم السابق لنادي مانشستر يونايتد الإنكليزي، المبالغ الطائلة التي تنفقها أندية كرة القدم الأوروبية لضم “لاعبين عاديين”، بعد صفقات ضخمة في فترة الانتقالات الصيفية.

وقال كين الذي يشغل منصب مساعد مدرب منتخب إيرلندا الشمالية مارتن أونيل، إن المبالغ التي يتم إنفاقها “تثير الدهشة، لا سيما بالنسبة إلى اللاعبين العاديين. الآن هو الوقت الأمثل لاحتراف كرة القدم”.

وأضاف “اللاعبون العاديون ينتقلون لقاء 35 مليون جنيه إسترليني (…) هذا هو وضع السوق حاليا. لا يوجد العديد من اللاعبين البارزين”. وتابع “انتقال اللاعبين العاديين مقابل 30-40 مليون جنيه إسترليني يدفعك للتفكير. لكن إذا كانت الأندية مستعدة للدفع، فلا يمكن لوم اللاعبين”.

وكان كين من ضمن تشكيلة يونايتد التي هيمنت بشكل كبير على كرة القدم الإنكليزية في تسعينات القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة، ولعب إلى جانب أسماء بارزة مثل ديفيد بيكهام والويلزي راين غيغز والهولندي رود فان نيستلروي.

وردا على سؤال عما سيكون عليه سعر هؤلاء بحسب النسق الحالي، أجاب “بيكهام؟ مليار (…) فان نيستلروي؟ مليار؟ غيغز؟ ملياران”.

وتتجه الأنظار إلى مجموعة من الأسماء الكبيرة التي تتجاذبها أخبار الانتقال أو البقاء في أنديتها، لعل أبرزها 4 نجوم، هم: مهاجم ليفربول الإنكليزي، البرازيلي فيليبي كوتينيو، وكذلك مهاجم باريس سان جرمان الفرنسي، الأرجنتيني أنخيل دي ماريا، وأيضا التشيلي ألكسيس سانشيز، قناص أرسنال الإنكليزي، ورابعا نجم هجوم ريال مدريد، الفرنسي كريم بنزيمة.

23