أنس البريحي يقدم اللحاف بوصفه الرحم البديل

الرسام أنس البريحي يقدم في صالة "أجيال" جملة من الأعمال كبيرة الأحجام أعادت المُشاهد كبداية إلى فترة ما بعد الانطباعية التي عرفت مجدها مع الفنان فينسنت فان غوخ.
الجمعة 2018/10/26
دفء الغطاء يقي من خطر اليقظة

تاريخيا، ليست ظاهرة النوم وما يدور من حولها من أفكار ومشاعر ثيمة جديدة في الفن، لا بل هي من أكثرها شيوعا ومُعالجة، إذ تنوعت أساليب الفنانين عبر الأزمان والحضارات حد التناقض في معالجة موضوعه، ولكنها اجتمعت على اعتبار حالة النوم من أكثر المواضيع أهمية وأكثرها تحديا للموهبة الفنية ولتجليها عبر البراعة التقنية.

بيروت- مجموعة من اللوحات مشغولة بالألوان الزيتية حرص الفنان على إبقائها بلا عناوين كست جدران صالة “أجيال” البيروتية، تدثر فيها مجموعة شبان مرهقين استسلموا إلى النوم في حضن لحف ازدانت بكل الألوان المُمكن تخيلها.

أما راسمهم عن مسافة غير بعيدة عنهم، وغير بعيدة عن ذاته التي ربما رسمها من خلالهم، فهو الفنان التشكيلي السوري أنس البريحي المولود سنة 1991، والذي درس الفنون في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق قبل أن يتوجه إلى دراسة الماجستير بالجامعة اللبنانية في حقل الفن والدعم النفسي والاجتماعي ويستقر في لبنان مقيما مرسمه.

حفل التاريخ الفني بأروع اللوحات التي تطرقت إلى ظاهرة النوم وما يدور من حولها من أفكار ومشاعر من خلال عدة مداخل منها الميثولوجيا، والحب، والرغبة الجنسية والفانتازيا والميتافيزيقيا وغيرها من مداخل عديدة، غير أن معظم تلك الأعمال تناولت المرأة في تجسيدها للأفكار والمشاعر التي تدور قريبة أو بعيدة حول ثيمة النوم والأحلام و”الفانتسمات” الذكورية.

أنس البريحي يقدم في صالة “أجيال” جملة من الأعمال كبيرة الأحجام أعادت المُشاهد كبداية إلى فترة ما بعد الانطباعية التي عرفت مجدها مع الفنان فينسنت فان غوخ. غير أن لوحات أنس البريحي هي أكثر من سفر إلى هيجان الألوان المُستهلكة للمشاهد الطبيعية، فهي تحيل إلى حالة النوم المتأتية من الإرهاق، لا، بل التلف من شدة الإجهاد في زمن “كابيتالي” واستهلاكي بامتياز.

ألوان صارخة قادرة على لجم اليقظة
ألوان صارخة قادرة على لجم اليقظة

وتذكر أعمال الفنان السوري، للوهلة الأولى بلوحات الفنان الفرنسي بول غوغان وبأجساد “نسوته” التاهيتيات اللواتي تلقين ضربات ريشته، النزقة والمُصمَمة في آن واحد، تعنيفا وتعبيرا عاشقا وملحا، ولكن أعمال البريحي سرعان ما تشي بالقلق وليس بغرائبية الألوان وطبيعتها الإكزوتيكية في تحديد معالم المشاهد والوجوه الحالمة.

رسم الفنان عالما تنساب دقائقه ببطء ويحل فيه قلق خافت الصوت رائحته كرائحة الشمع المُضاء والمُحترق ببطء، قلق رصين ومُثقل بأنفاس النائمين ومتدثر بألوان صارخة هي ألوان اللُحف التي احتضنت النائمين، ولو لساعات قليلة كما يحتضن الرحم الجنين السابح في ما بين أن يكون أو لا يكون، قبل أن يُلفظ بعنف إلى الخارج/الطاحن: غريب وسط الغرباء.

كحارسة للنوم يسدل الفنان السوري نظرته العطوفة على النائم في لوحة، لكي يبدو وكأنه ينتظر أو يريد منه أن يستيقظ في لوحة أخرى، يشتهي نومه وربما يشتهيه في لوحة، ليبغض في لوحة مجاورة استسلامه وانجرافه أعزلا في يمّ نوم يبدو في لوحات أخرى أنه لا رجعة منه. وفي بعض اللوحات يبدو النوم مجرد جسر قصير يعبره الشخص في منامه الضحل، ريثما يصل إلى الضفة الأخرى، حيث ينتظره كما كل يوم كدح متواصل ولقمة عيش مُغمسة بالنقمة أو بالوحدة.

ويذكر أنس البريحي في تمهيده للمعرض الظروف المؤسسة للأعمال التي قدمها بهذه الكلمات “شاءت الأقدار أن أعيش في بيروت مع مجموعة شبان هم أصدقاء السكن، ينامون متعبين من كل شيء حتى من الحياة نفسها، باتت مراقبتي لهم أمرا اعتياديا يخلق تساؤلات كثيرة في رأسي: أين أنا الآن وأين هم؟ ما هذا التسليم المُطلق لجسدهم؟ بماذا يحلمون؟ هل هم غارقون بحياة أخرى؟ أو ربما هو حلم بحياة أكثر حقيقية من التي يعيشونها؟.. ماذا يخبئ هذا الغطاء؟ هل هناك غطاء أوسع يخبئ سر هذا الكون تحته؟”.

قلق خافت
قلق خافت

أن ترسم “النائم” هذا الحي/الميت دون أن تطغى على ملامحه وأجواء اللوحة التي يسكنها صفة الحياة على الموت والعكس بالعكس، ودون أن تجعل العمل الفني المُقدّم باهتا لا ينتقص ولا يضيف شيئا على حالة العدم والكينونة ليس بالأمر السهل البتة، فما بالك إذا تعددت اللوحات عن حالة النوم في معرض واحد ولفنان واحد هو أنس البريحي لأجل أن يتفنن في ضروب “نكهات” النوم وإحالاته النفسية والشعرية والوجودية والاجتماعية؟ ويذكر الفنان في تمهيده للمعرض كلاما آثرا حول اللحاف الملون الذي تكاثر كما تكاثرت طياته وزركشاته فوق أجساد النائمين المُفترشين الأرض، يقول “هو لحاف للوهلة الأولى، ذكريات جدتنا وبيتنا العتيق.. أيادي أناس بسطاء فكرت في هندسته وتصميمه، عرضت جدتي وجدتك إنجازها الفني في العلّية وفوق السرير، يومها لم يصفق لها إلاّ من ذاق دفأه، اللحاف هو المعنى الظاهري الملموس للغطاء، أما الذي أشعره فهو يقلع بالعمق لن تساعدني لغتاي العربية والتشكيلية في التعبير عنه”.

وتتوالد أسئلة في ذهن زائر المعرض أمام هذه الكلمات والأعمال الفنية على السواء: هل اللُحف التي يلتف بها النائمون في لوحاته هي شبيهة بتلك التي التحفوها في الواقع؟ أو هل عمد الفنان إلى زركشتها وتلوينها كمن يقوم بفعل سحري يحجب به أبطال لوحاته عن كل خطر، لا سيما خطر اليقظة؟ وهل بفعله هذا تدثر هو أيضا بدفئها العتيق ريثما يستمد منها القوة على البقاء والاستمرارية؟ وهل هؤلاء النائمون هم فصول من حالات خاصة بالفنان استطاع أن ينقلها على القماش المشدود وكأنها حالات خاصة بغيره؟ وكيف لألوان صارخة أن تكون قادرة على لجم اليقظة وإقصائها بهذا الشكل خارج غرفة النوم المُشتركة؟

17