أنسي الحاج ونصوص لم تنشر

الأحد 2016/04/17
أنسي الحاج المتمرد العصي

كان أنسي الحاج يعلم أن آخر ما كتبه لن ينشر في حياته، بعد انزوائه بسبب المرض، الشاعر ابتعد، توارى ولم يغب، قرر الانعتاق في العوالم الشعرية ليعمل على شذراته الأخيرة، وآخر أنفاس له، “كان هذا سهواً” الصادر مؤخراً عن دار نوفل –هاشيت أنطوان، هو حصيلة العمل على مسودات الكتابات الأخيرة الذي كان الحاج منهمكاً بها. ابنته الشاعرة ندى الحاج تلقفت وصيته، “تَركتُ لك مسودّة كتاباتي هذه لتعملي عليها بعد رحيلي”، فالشاعر كان مدركاً أن هذه النصوص سترى النور، هي لم تكتب بوصفها غير مخصصة للنشر، هي نصوص لم تُنشر بعد.

“كان هذا سهواً/لم أكتب هذه الرسائل ولا تلك المقالات، ولم أكن إلا قليلاً في الأيام حيث كنت./ للمرء الحق في إنكار حياته، إن هي لم تشبه مناه، وأن لا يعترف في عُباب هذا البحر المترامي وراءه إلا بحبّات من الملح وبضع نقاط من البخار”، العنوان الذي يحمله الكتاب مستمد من الشذرة السابقة، الحاج يُشكّك في حياته، بأناه، لا كشاعر، الشعر حاضر دوماً، التشكيك والإنكار هنا أقرب للتطهير، ختان لما هو يومي ومبتذل ليبقى الشعر/الملح يلسع روّاده والمنغمسين فيه”.

“كان هذا سهواً” يحوي النصوص التي لم ينشرها الحاج في “خواتم”، وتقسيمات الكتاب التي اختارها الحاج نفسه حافظت عليها ابنته هي (ميتافيزيك ودين، ذات، سلوك، أدب، فنّ، حبّ) إلى جانب قصيدة (غيوم).

الموضوعات التي يعالجاه الحاج في العناوين السابقة تحمل كلها صيغة ذاتية، عصارة كاملة لتاريخ ونضال شعري يتنازع فيه الشاعر والشعر نفسه، بين النموذج وضده، بل حتى تَجاوزه نحو الانعتاق الكلّي من سلطة الثنائيات، لكن الانتصار للشعر أولاً وفيه يتلمس الحاج ذاته نبياً وعاشقاً وقارئاً وناقداً وأحياناً مشاهداً، فنصوص الحاج أقرب لنبوءات الرّائي، لمسات من تَكشّف له الـ”هناك” ليضيء عبرها الـ”هنا”.

منذ (لن) 1960 حتى (كان هذا سهواً) 2016 مازال الحاج يجابه الحاضر شاعراً مدججاً بنفسه فقط، نزقاً من مؤسسات هذا العالم وقيمه ومعاييره، لا بوصفها خاطئة أو صحيحة، بل بوصفها معايير، أنظمة للتحكم

الموقف من الحاضر

منذ “لن” 1960 حتى “كان هذا سهواً” 2016 مازال الحاج يجابه الحاضر شاعراً مدججاً بنفسه فقط، نزقاً من مؤسسات هذا العالم وقيمه ومعاييره، لا بوصفها خاطئة أو صحيحة، بل بوصفها معايير، أنظمة للتحكم، هي معايير تَحكُم الحساسية من الكون والظواهر المختلفة، بل قد تؤذي حساسية الشاعر.

اللامعاير هي انعتاق في سبيل الانغماس في ظواهر الحياة للأقصى دون أيّ رادع، لكن الشعر ذاته قد يصبح معياراً لذاته، مؤسساتياً أقرب للـ”كيتش” الصناعي، هنا يبرز الشرّ، كموقف طهرانيّ بوصفه لا معياريا، والإثم الشعري يشتدّ بوصفه رفضاً في البداية، فانعتاقاً، ثم انغماساً للأقصى إذ يقول “تنازعتني على الدوام ذاتان، ذات انتهاكيِة تَقويضيّة أنتي-شعريّة في المعنى الجمالي الطوباوي للشعر، وذات عاطفيّة مسحورة، كثير من شعري هو رفض عنيف للشعر في صورته الغُبطويّة والتي أعتقد أنها لم تسهم في تزوير الشعر والفنون فحسب، بل تضليل القيم والحقائق والمشاعر والأفكار وفي تنشئة بشريّة مستَهبَلة”.

الشعر هيولى الكون

أنسي الحاج لا يعنيه الموت، لا يعنيه الرحيل، مادام الشعر حاضراً فهو حاضر، رحيل أنسي الحاج جسداً هو حدث طارئ، يومي، مُتشابه، أنسي الحاج الشاعر تغلغل في هيولى تكوين العالم الشعري، انعتاقه من الجسدي لا يلامس أبدا حضوره الشعري، فحتى هو ككائن شعري لا يخضع لثنائية الغياب والحضور، هو هيولى تتحول وتتماهى وتتقمص، الحاج يشابه الآن ما كتبه هو نفسه “أن تَخضع الأشياء لغيابها لا لحضورها.

صوت من فيزياء الغياب
تجربة الانقطاع، للتَّأكُد من أن الوجود هو أكثر من عادة”، الحاج الآن غائب عن ضرورات الحضور، نصوصه تَشتَعِل بذاتها، هي مخاض بين الفيزيائي والشعري، انعتق الحاج منّا ليصل إليه. المُرتجى، بوصفه كائناً شعرياً خالص المجاز.

طهرانية التمرد

الحديث عن أنسي الحاج لا يمكن أني ينتهي، هو متمرّد عصيّ على الإحاطة، تمرّد الحاج لا انتماء له في جوهره، مناف للثورات وخطاباتها التي تتمأسس فيما بعد بهدف السلطة.

فـ”المتمرّد يثور على السلطة لرفضها من أجل الحرية أو من أجل لا شيء، لا للاستيلاء على الحكم”، فالتمرّد لا يُحدد، هو دائم ومستمر، “التمرّد عزلة”، لا يعترف بأيّ انتماء إلا لذاته وللشعر وللحرية المركّبان فيه، هو بعيد عن رَطانة اليومي التي تدّعي الثورة من أجل الامتلاك، نقيّ كحلم طفولي بالطيران، موقف من العالم لتقويضه دون انتماء إلا للحرية ذاتها، بوصفها تتجاوز اليومي نحو المطلق، نحو اللامتناهي، نحو جسد الشِعر المخضّب بالهشاشة.

يُختتم الكتاب بقصيدة “غيوم” التي نشرها الشاعر سابقاً ثم أعاد تعديلها لتنشر في هذا الكتاب بصيغتها الجديدة، يليها نص للشاعر والناقد اللبناني عبده وازن بعنوان “خواتم الوداع” الذي يكتب عن “خواتم” أنسي الحاج بوصفها “كتابة الما بين بين، بين النثر والشعر، بين الفكر والحدس، بين القول والمحو، في الخواتم شرع أنسي يبحث عمّا لم يجده يوماً ووجده، وعمّا لم يره سابقاً ورآه، أن يفكّر في ما لم يفكر به واقتنصه. إنها اللحظات الشعرية تذوب في بُعدها الفكري أو اللحظات الفكريّة تلتمع التماعاً شعرياً”.

كاتب من سوريا

13