أنس العبدة جيولوجي "محنك" يبحث عن مشروع وطني جديد

الأحد 2016/03/13
ابن مضايا المحاصرة رئيسا للائتلاف المعارض

لندن - يبدو أنس العبدة بين رفاقه من المعارضين السوريين، الأكثر لطفا ودماثة. حتى أنه يميل إلى التهكم والسخرية، بما يخالف به تجهّم وعبوس بقية شخوص المعارضة السورية التقليدية. كثيرا ما سخر العبدة من نفسه ومن لهجته الريفية الجنوبية الخشنة، رغم كونه أحد أبناء مضايا في ريف دمشق، حيث الثلج والمناخ العليل. ويُرجِع ذلك إلى كونه قد نشأ وعاش في المنفى مع والده المعارض الإسلامي الشيخ الدكتور محمد العبدة، رئيس تحرير مجلة البيان والمتخصص في التاريخ الإسلامي.

غير أن المناخ الإسلامي الذي ولد فيه العبدة الابن، لم يجعل منه إسلاميا كما كان متوقعا. بل مكّنه من العبور إلى أوساط لم يكن من السهل عليه التنقل بينها واكتساب ثقتها رغم الاختلاف معها وعنها.

فصار أنس العبدة يعرف كشخصية إسلامية معتدلة أقرب إلى الليبرالية في العمل السياسي من الإسلام السياسي. لدرجة أنها أثارت الجدل بين الإسلاميين أكثر من العلمانيين. ولدرجة أن الولايات المتحدة حين أرادت دعم المعارضة السورية ذات يوم، في عهد الرئيس جورج بوش، كان العبدة على رأس أولئك الذين تلقوا الدعم علنا.

حرب التناقضات

مع وصول العبدة إلى رئاسة الائتلاف الوطني السوري المعارض، اشتعلت صفحات التواصل الاجتماعي بالهجوم عليه. وتحديدا الصفحات الأقرب إلى الإخوان وبعض الجماعات السلفية التي كالت له الاتهامات المتناقضة، حتى وصلت بهم الحال إلى وصف العبدة بأنه علماني يتستّر بالإسلامية أو غربي يتستّر بالعربية.

أصبح العبدة الرئيس الخامس للائتلاف، بعد خلافات لطالما وقعت بين أطياف المعارضة على توقيت وضرورة الانتخابات التي تتمّ كل ستة أشهر. ليكون العبدة رئيسا جديدا بعد عدة رئاسات منذ تأسيس الائتلاف بدأها كل من معاذ الخطيب وأحمد الجربا وهادي البحرة وخالد خوجة.

اختياره جاء بانتخابات توافقية على شخصية إسلامية معتدلة، نظرا لانفتاحه على المجتمع الأوروبي، فقد سبق وأن عاش العبدة في لندن لسنوات طويلة قبل اندلاع الانتفاضة السورية وتشكل ذهنه بسبب إقامته في أوروبا بطريقة تسمح له بالعمل وفق المعايير الغربية سواء سياسيا أو إداريا.

تعهد العبدة، بـ”الإخلاص لشهداء الثورة” حتى تحقيق أهدافها، وذلك بعد اختياره رئيسا للائتلاف الوطني. وقال العبدة عبر حسابه على موقع تويتر “أثمّن عاليا دعم أعضاء الائتلاف ومنحي ثقتهم، وأعد أن أكون مخلصا لشهداء الثورة السورية وجنديا مقاتلا لاستمرارها حتى تصل إلى أهدافها المنشودة”.

حاز العبدة على غالبية الأصوات، إذ صوّت له، وهو المرشح الوحيد، 63 عضوا في الهيئة العامة للائتلاف من أصل 103، بحسب متحدث في المكتب الإعلامي.

المناخ الإسلامي الذي ولد فيه العبدة الابن، لم يجعل منه إسلاميا كما كان متوقعا. بل مكنه من العبور إلى أوساط لم يكن من السهل عليه التنقل بينها واكتساب ثقتها رغم الاختلاف معها وعنها

الجيوفيزيائي والجيوبولوتيك

ولد أنس العبدة في دمشق سنة 1967، ودرس الجيولوجيا في جامعة اليرموك بالأردن، وحصل على الماجستير في الجيوفيزياء من جامعة نيوكاسل في بريطانيا التي انتقل إليها للحياة والعمل في حقول الإدارة وتكنولوجيا المعلومات.

شارك في العمل السياسي المعارض للنظام السوري منذ أن وصل بشار الأسد إلى الحكم، حيث أصبح العبدة عندها رئيسا لـ”إعلان دمشق” في المهجر.

“إعلان دمشق” اسم يطلق على الوثيقة التي وقّعت عليها شخصيات بارزة من المجتمع المدني والإسلاميين والليبراليين السوريين، دعت، حين تمّ إعلانها، إلى القطع مع قرابة الأربعة عقود من حكم أسرة الأسد لسوريا واستبداله بنظام ديمقراطي.

تعد وثيقة إعلان دمشق هي الجامعة لقوى التغيير الوطنية المعارضة في سوريا وتتضمن على بنود أساسية ترسم خطوطا عريضة لعملية التغيير الديمقراطي في سوريا، وكيفية إنهاء النظام الأمني الشمولي الذي سيطر على الشعب السوري.

كان العبدة من أوائل المتحمّسين لتشكيل المجلس الوطني السوري ليكون ممثلا لانتفاضة الشعب. وبقي على الدوام ضمن الدائرة الأضيق ذات التحالف الوطيد والتي ضمت إعلان دمشق والإخوان المسلمين والمنظمة الآثورية السورية والأكراد. وبقي في قيادة المجلس حتى ليلة تشكيل الائتلاف السوري في الدوحة، فقد تخلّى عنه الإخوان ولم يستطع الفوز بثمانية أصوات تخوّله البقاء في الصفوف القيادية الأولى للمجلس.

حينها قرر العبدة حزم أمتعته والسفر إلى لندن واعتزال العمل السياسي المعارض، لولا أن المطبخ السياسي الذي قاده كلّ من السفير الأميركي روبيرت فورد ومعه رياض سيف والوجوه التقليدية في المعارضة السورية مثل الإخوان وغيرهم، كانوا قد قرروا تشكيل الجسم الجديد، حتى لو كان مكوّنا من أولئك الذين لم ينجحوا في الانتخابات، وحتى لو كان من الذين قد تم إسقاطهم عبر الآلية الديمقراطية. فتمت دعوة أنس العبدة للبقاء ليكون أحد قيادات الائتلاف السوري ممثلا عن الذين لم ينتخبوه في المجلس الوطني.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، تمكّن العبدة من تأسيس حزبه السياسي الخاص فأعلن عن تطوير “حركة العدالة والبناء” من لندن بوصفها حركة سورية معارضة لنظام بشار الأسد.

ونتيجة تسمية حزب العبدة بهذا الاسم القريب من اسم “حزب العدالة والتنمية” التركي المحسوب على الإخوان، فقد أثيرت إشاعات كثيرة عن أن ولاء العبدة يعود لجماعة الإخوان المسلمين السورية، لكن هذا ليس صحيحا. والتشابه في التسميات يعود لطبيعة شخصية العبدة الذي يريد الكسب سياسيا من مختلف الاتجاهات.

وتسعى حركة العدالة والبناء التي يرأسها العبدة إلى إحداث تغيير جذري في الحياة السياسية في سوريا كما تنصّ منشوراتها، وتعرّف الحركة نفسها كما يلي “نحن مواطنون سوريون من مختلف الأعمار والمهن فيهم الطلاب والحرفيون والأكاديميون ورجال الأعمال. جمعهم حبهم لبلدهم سوريا واعتزازهم بتراثها وحضارتها وتطلعهم لمستقبل أفضل لأجيالها الواعدة، فتنادوا للعمل معا لإزاحة كابوس الظلم والفساد والقهر والخوف، حالمين وعاملين من أجل سوريا حرة قوية أصيلة ومعاصرة، سعيدة ومزدهرة”.

خالد الخوجة يسلم مشعل قيادة الإئتلاف السوري المعارض لأنس العبدة

قناة بردى

تهدف حركة العبدة إلى “الانتصار للحرية والحق والقيم والأخلاق وحقوق الإنسان في كلّ مكان وعلى كل صعيد. وتحقيق العدالة والتنمية للفرد والأسرة والمجتمع بمنظور يجمع بين الأصالة والمعاصرة. والعمل على بناء نظام برلماني حر في سوريا يحتكم لصندوق الاقتراع ويستند إلى دستور يحافظ على هوية الشعب السوري ويفصل بين السلطات ويكفل حقوق الإنسان وحرية تشكيل الأحزاب وتداول السلطة لجميع المواطنين دون تمييز″.

كان العبدة قد حصل على دعم غربي لتأسيس أول قناة معارضة سورية تبث من لندن اسمها “قناة بردى الفضائية”، التي اشتهرت في فترة ما قبل الثورة السورية. وقالت صحيفة واشنطن بوست في تقرير لها بتاريخ الثامن عشر من مايو من العام 2011 إن “وزارة الخارجية الأميركية قدّمت منذ العام 2006 نحو ستة ملايين دولار إلى مجموعة من المنفيين السوريين لتشغيل قناة بردى التلفزيونية الفضائية”.

وذكرت الصحيفة نقلا عن برقيات دبلوماسية سرّبها موقع ويكيليكس الإلكتروني، أن الأموال الأميركية بدأت تتدفق على شخصيات سورية معارضة خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بعد تجميد العلاقات السياسية مع دمشق عام 2005.

وأضافت أن الدعم المادي استمر تحت إدارة الرئيس الحالي باراك أوباما رغم سعي إدارته لإعادة بناء العلاقات مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، حيث أوفدت واشنطن سفيرا لها إلى دمشق في يناير 2011 لأول مرة منذ ست سنوات.

وجاء في تقرير واشنطن بوست أنه لم يتضح ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تموّل جماعات معارضة سورية، لكن البرقيات تشير إلى أن الأموال تمّ تخصيصها بالفعل على الأقل حتى سبتمبر 2010. ولم تعلق وزارة الخارجية الأميركية على استفسار من الصحيفة بشأن البرقيات المسرّبة.

كانت قناة بردى، التي تتخذ من لندن مقرا لها، قد بدأت البث التلفزيوني في أبريل 2009، لكنها صعّدت عملياتها لتغطية الاحتجاجات الحاشدة التي بدأت في سوريا الشهر الماضي في إطار حملة طويلة الأجل للإطاحة بالرئيس الأسد، وفقا لما ذكرته الصحيفة. وذكر التقرير أن بعض الأموال الأميركية يبدو أنها مرّرت عبر منظمة “مجلس الديمقراطية”، وهي منظمة غير ربحية مقرها مدينة لوس أنجلوس الأميركية.

التجاذبات الأيديولوجية

يدرك العبدة أن “الرحلة من الحيز الآمن الأيديولوجي إلى الحيز الوطني رحلة شاقة”، ويضيف أن التمثيل السياسي الفعّال هو من أهمّ ملامح المشروع القادم.

دفاع العبدة عن أصالة تمثيل الهيئة العليا للمفاوضات وكذلك قوة وتطوّر رؤية الائتلاف وأيضا عن تصوراته لمستقبل سوريا وأنه لا وجود لبشار الأسد في أيّ مرحلة من مراحل المستقبل السياسي للبلاد، كل ذلك يعطي مؤشرات على أن مرحلة جديدة مختلفة من العمل السياسي المعارض قد بدأت.

ويصف العبدة هذه المرحلة الجديدة بالقول “إن هناك مسارا عسكريا على الأرض سيبقى مستمرا حتى مئة عام في حال حاول أحد مطالبة المعارضة السورية بالتخلي عن مبادئها، بالتوازي مع المسار التفاوضي السياسي الذي نتراجع عنه”.

العبدة يتمكن اليوم من اجتياز تلك التصفيات السياسية الدولية لممثلي المعارضة السورية، محافظا على عضوية بل ورئاسة الائتلاف مع عضويته للهيئة العليا للمفاوضات في الوقت ذاته. بما يوحي أن مشروعه السياسي متواصل ويرى أنه ما يزال لدى الائتلاف دور يقوم به الآن

أما المهمة الأساسية التي راها فهي تغيير الوجهة نحو الداخل السوري بدلا من الإقليمي والدولي. وذلك بزيادة حجم التواصل مع المجالس المحلية والمجتمع المدني، وإدخال الحكومة المؤقتة إلى داخل سوريا.

رغم اختلاف نبرة العبدة، التي توحي بأن هناك تغييرا كبيرا لدى المعارضة السورية في مستوى قراءتها للخارطة السياسية الصعبة والمعقدة للإقليم وما يدور حول سوريا، إلا أن قضايا مثل إسرائيل والتطرف والاستقطاب السياسي وغيرها، كان يجب أن تكون على رأس ما يجب الحديث عنه بشجاعة اليوم. وعدم تأجيل المشكلات التي تطيل في عمر المأساة.

الائتلاف باق أم زائل

وفقا للتجارب السابقة مع المجتمع الدولي، وفي ما يتعلق بتمثيل المعارضة السورية للواقع السياسي والميداني في سوريا، فإن تغيير قيادة تلك المعارضة بقي هو السبيل الوحيد والمتواصل لتحقيق المطلب الدولي الذرائعي والمتمثل في السؤال “لماذا لا تتوحد المعارضة السورية؟”.

ولا يعرف أحدٌ ما الذي يوجب على المعارضة السورية أن تكون ذات طيف ولون واحد ورؤية واحدة متطابقة، بينما الأمر في كافة أصقاع العالم ليس على هذا النحو. فهناك اليمين واليسار والوسط. وهناك الفكر المتقدم والآخر الذي ما يزال في حاجة للمزيد من التطوير.

ووفقا لنظرية ضرورة توحيد المعارضة، تم تدمير الأجسام السياسية التي نشأت عن الحراك الثوري السوري ومن حوله. وبعد أن اعترفت أكثر من ثمانين دولة على رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالمجلس الوطني السوري في تونس في العام 2012، عادت واعترفت بالائتلاف السوري كممثل للشعب السوري بعد أقل من عام. وعادت اليوم لتعترف بما نتج عن مؤتمر الرياض للمعارضة السورية في العام الفائت 2015 والهيئة العليا للمفاوضات التي أعلنت بعده برئاسة الدكتور رياض حجاب رئيس الوزراء السوري الأسبق المنشق عن نظام الأسد.

وباعتبار أن العبدة قد تمكّن حتى اليوم من عبور تلك التصفيات السياسية الدولية لممثلي المعارضة السورية، محافظا على عضوية بل ورئاسة الائتلاف مع عضويته للهيئة العليا للمفاوضات في الوقت ذاته، بما يوحي أن مشروعه السياسي متواصل ويرى أنه ما يزال لدى الائتلاف دورٌ يقوم به الآن.

يقول العبدة أن هناك مشروعا للستة أشهر القادمة وهو ما أوصله إلى رئاسة الائتلاف. ومن أولى ملامح ذلك المشروع هو إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة السورية الذي تم الانحياز على حسابه لصالح الجانب الأيديولوجي طيلة الفترة الماضية.

9